#adsense

براعة السياسيين في تحويل الخلاف السياسي إلى مأزق وطني

حجم الخط

دقت الاضرابات العمالية والتحركات النقابية ناقوس الخطر الاجتماعي وسط جمود اقتصادي وشلل اداري، في وقت بدأت الرياح العربية تلفح وجه لبنان وحدوده الشمالية والجنوبية … الوضع بات على درجة كبيرة من الدقة والحساسية وفي حاجة ماسة إلى سلطة تنفيذية وحكومة تجتمع وتتخذ قرارات وتتصدى للمشكلات والقضايا والملفات المكدسة … فلا شيء يعوّض الفراغ الحكومي ولم يعد ينفع مع هذا الوضع حلول ترقيعية أو تجميلية ولا تحايل واستنباط للمخارج من خارج تشكيل حكومة جديدة . فما يطرحه البعض من لجوء إلى المجلس النيابي لتعويض غياب الحكومة ولاتخاذ ما كان يفترض ان تتخذه من قرارات واجراءات، لا يتماشى مع النظام البرلماني الذي يقوم على فكرة الفصل بين السلطات والتوازن فيما بينها. اضافة إلى انه يتعارض مع الدستور الذي لا يجيز اجتماع الهيئة العامة للمجلس النيابي في ظل حكومة مستقيلة . وما يقترحه البعض الآخر من تعويم غير مباشر للحكومة القائمة ، حكومة تصريف الأعمال، عبر توسيع نطاق ومفهوم تصريف الأعمال لدواع وظروف استثنائية حتى لو تطلب الأمر ان تجتمع الحكومة في حالات محددة وضيقة جداً ، هذا الاقتراح لا سند دستورياً وقانونياً له لأن الحكومة المستقيلة مقيّدة بمهمة تصريف الاعمال ولا يمكنها ان تجتمع وتأخذ قرارات صغيرة كانت أم كبيرة وفي مطلق الظروف والاوضاع …

ازاء وضع كهذا بلغ الطريق المسدود ، ومأزق سياسي استحال مأزقاً وطنياً ، وبعد قرابة اربعة اشهر من الجهود والمحاولات الفاشلة لتشكيل الحكومة وما رافقها من مماحكات ومناكفات لا طائل منها، صار من الضروري مقاربة الأزمة بطريق واقعية والبحث عن مخارج ممكنة سياسياً ودستورياً للوصول إلى تشكيل حكومة والتخلص من هذا الكابوس الذي بات يؤرق اللبنانيين ويقض مضاجعهم ويثير لديهم النقمة والاشمئزاز. ومثل هذه المقاربة تفضي إلى ثلاثة احتمالات ومقترحات وثلاثة أنواع ممكنة من الحكومات :

1 – " الاحتمال – الاقتراح " الأول هو تشكيل حكومة منبثقة عن الأكثرية النيابية الجديدة من دون ان تكون حكومة الفريق واللون الواحد . وهذا يفترض ان تكون حكومة تتمتع بحد معقول من التوازن وتراعي القواعد الميثاقية. ومثل هذا الامر لا يمكن ان يتحقق الا بإعطاء رئيس الجمهورية والرئيس المكلف حصة وزارية وازنة تتيح لهما ومن موقع وسطي التأثير في مجريات الامور وقرارات الحكومة . ومن الطبيعي مع حكومة الاكثرية الجديدة الضعيفة والهشة ان تؤول حصة فريق 14 آذار إلى الكتلة الوسطية وان يكون وزراء وليد جنبلاط في عداد هذه الكتلة إلى جانب وزراء الرئيس ميشال سليمان والرئيس المكلف نجيب ميقاتي، وهذا ما عمل له سليمان وميقاتي على امتداد الاسابيع الماضية للوصول إلى حكومة سياسية مطعمة بوزراء تكنوقراط ، ولكن من دون ان يلقيا تجاوباً وتسهيلاً من بعض الافرقاء السياسيين داخل قوى 8 آذار والذين يتعاطون مع الشأن الحكومي بمنطق العدد والارقام متناسيين أو متجاهلين التوازنات السياسية والطائفية الدقيقة التي يقوم عليها الكيان اللبناني وميثاق العيش المشترك…

2 – الاقتراح الثاني هو تشكيل حكومة غير سياسية أو ما يسمى " حكومة تكنوقراط " يكون وزراؤها من اصحاب الاختصاص والخبرة ، وبالتالي القفز فوق كل العقد والعقبات والاوضاع التي حالت دون تشكيل الحكومة حتى الآن ، فيكون الفريقان 8 و14 آذار، خارج الحكومة ويتساويان سلبياً طالما انهما امتنعا عن التساوي الايجابي من خلال حكومة وحدة ومشاركة سعى اليها الرئيس ميقاتي في الشهر الأول بعد تكليفه ولم يوفق في مسعاه. وتنحصر مهام حكومة التكنوقراط في الشؤون والملفات الاقتصادية والاجتماعية والانمائية والادارية وكل ما له علاقة بتسيير عجلة الدولة وتحسين أوضاع الناس وظروفهم الحياتية ، وتنصرف إلى تعبئة الفراغات وملء الشواغر في ادارات الدولة واعادة دورة العمل والانتاج إلى وضعها الطبيعي… وهذه مهام صعبة ومتشعبة بعدما تراكمت الملفات وغرقت الدولة في جمود قاتل منذ اشهر وفي وضع تصريف الاعمال منذ سنوات …

وحتى لا تُصاب مسيرة الحكومة بأعطاب وانتكاسات ولا تكون مهددة بالخلافات السياسية ، تتم إحالة الملفات الخلافية السياسية العالقة والمسائل الوطنية الخلافية إلى هيئة الحوار الوطني التي يجب العمل على إحيائها وإعادة اطلاقها وفق ذهنية ومنهجية جديدة، فلا تكون مقيّدة بالاستراتيجية الدفاعية وانما توسع نطاق اختصاصها ومهامها إلى كل المواضيع التي شكلت في الاشهر الاخيرة سبباً للتباعد والفرقة، من موضوع المحكمة الدولية إلى سلاح حزب الله ، وايضاًَ المواضيع التي يمكن ان تشكل سبباً لخلاف وطني في المستقبل مثل قانون الانتخابات وإلغاء الطائفية السياسية …

3 – الاقتراح الثالث : ان تشكل حكومة إنقاذ وطني مؤلفة من قادة الصف الأول مع بعض الاضافات وتكون بمثابة حكومة طوارىء وتستمر إلى ان تزول الظروف والاوضاع التي دعت إلى قيامها. ولأن الوضع في لبنان لا يحتمل ترفاً سياسياً والدخول في لعبة المحاصصة والصراع على المقاعد والمراكز ، فإن السبيل الأفضل والأضمن والأسرع لتشكيل هذه الحكومة ، هو تشكيل حكومة اقطاب تكون حكومة انقاذ تراعي في تركيبتها كل التوازنات وتعكس الواقع السياسي الحالي على الساحة اللبنانية.

هذه الاقتراحات للخروج من أزمة التأليف تتقاطع كلها عند ضرورة ان يكون الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة الجديدة اياً يكن شكلها ومضمونها وبرنامجها. فقد أثبت ميقاتي في تعاطيه المسؤول في موضوع معالجة الازمة الحكومية على انه مدرك لدقة الأوضاع وخطورتها ، ويعمل على أساس الحفاظ على الوحدة والمبادىء الوطنية التي قام عليها لبنان.

الرئيس ميقاتي هو رجل هذه المرحلة الصعبة والحساسة والدقيقة والحرجة التي تمر بها المنطقة العربية والتي يلزمها أكبر قدر من الحكمة والوعي ، فالمطلوب أناس مستقلين وعلى مسافة واحدة من كل القوى السياسية اللبنانية وعلى علاقات جيدة مع كل الدول المجاورة وتحديداً تلك المعنية بالملف اللبناني وهذا ما ينطبق على الرئيس ميقاتي بشكل أو بأخر.

وفي النهاية لا بد لنا من القول بأن الناس لم تعد تحتمل ، وإن الاسراع في تشكيل الحكومة أصبح أمراً ملحاً وتحول إلى مطلب شعبي ووطني.

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل