كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار": عندما طرح الرئيس امين الجميل فكرة تأليف حكومة انقاذ وطني، لم يكترث كثيرون واعتبروا الأمر محاولة من رئيس الكتائب لملء الوقت الضائع او مناورة جديدة في سياق الصراع الذي لا ينتهي بين قوى 8 و 14 اذار. ومرت الايام والحكومة العتيدة لا تبصر النور على رغم كل محاولات استيلادها، سواء بالحيلة او بعملية قيصرية.
عند تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة، وقف حزب الكتائب الى جانب الحلفاء في 14 آذار وسمّت كتلة الكتائب البرلمانية الرئيس سعد الحريري لولاية حكومية ثانية، لكن ذلك لم يقطع الود بين الكتائب والرئيس ميقاتي، فالعلاقات بين الطرفين قديمة وفيها الكثير من التقاطعات خصوصاً في نهج الوسطية الذي ترى اوساط كتائبية كثيرة، ضرورة اعتماده خطاً سياسياً، وسط أحابيل السياسيين اللبنانيين ودهائهم ومناوراتهم.
وعلى هذه الخلفية سعى الجميل لتبريد أصحاب الرؤوس الحامية في 14 آذار ممن شنوا حملة عنيفة على الرئيس ميقاتي متهمينه بتغطية الانقلاب الذي نفذه "حزب الله". وعلى رغم كل ما قيل في تلك المرحلة حافظت قيادة الصيفي على اكثر من شعرة معاوية مع فردان، وتمسكت بالحوار معه على قاعدة تشكيل حكومة اتحاد وطني. وما لبثت قيادات 14 آذار وخصوصاً المسيحية منها ان اقتنعت بصواب طرح الجميل، فبادر الدكتور سمير جعجع الى الاجتماع مع ميقاتي وفي مرحلة لاحقة تم تكليف الوزير والنائب بطرس حرب بناء خط التواصل مع الرئيس المكلف، بعدما كانت الابواب اوصدت امام الحوار، الامر الذي اكد مرة جديدة صواب موقف الكتائبيين.
توقفت مسيرة المفاوضات عند مطالبة مسيحيي 14 آذار لميقاتي بتحديد موقف من سلاح "حزب الله" والمحكمة الدولية، على رغم الشروح الكثيرة والتصريحات التي قدمها الرئيس المكلف عن التزامه القرارات الدولية. الا ان قيادة 14 اذار لم تجد في ذلك ما يروي غليلها فعادت الى موقفها المتصلب واعلنت رفضها المشاركة في الحكومة، وبررت ذلك بنيتها عدم عرقلة مسار التأليف على رغم ادراكها سلفاً حجم ما تخطط له قوى 8 آذار من سعي الى وضع اليد على مؤسسات الدولة، سواء من خلال وزارة الداخلية وقانون الانتخابات العتيد او من خلال ملف التعيينات الذي اخذت احزاب 8 آذار تتقاسم مراكزه قبل طرحه على بساط البحث وتوافر الحكومة التي يفترض فيها تولي هذه الآلية.
يطرح الرئيس الجميل حكومة الانقاذ الوطني انطلاقاً من تجربتين سابقتين، احداهما العام 1958 عقب "الحرب الأهلية المختصرة" التي وقعت آنذاك. وجاءت تطورات الاوضاع في سوريا لتشكل اضافة دراماتيكية الى حجة الكتائبيين الذين يعتبرون ان هذه الحكومة تشكل مخرجاً قد يرضي الجميع، في بلاد عرف فيها الجميع معنى الصراعات والحروب والرهانات التي لا طائل منها وهم الذين اكتووا بنارها. وبعدما كان طرح حكومة الانقاذ الوطني خافتاً اصبح يتوسع تدريجاً ويجري على ألسنة قيادات في الاكثرية الجديدة في مقدمها الرئيس نبيه بري وغيره.
وبعدما اتضح ان الامور وصلت الى مأزق حتمي، وان حكومة الاكثرية الجديدة لن تكتب لها الحياة الا بمعجزة، دون ان يعني ذلك ان الاكثرية السابقة في حال افضل، لم يعد يجدي سوى مشروع حكومة تشكَّل بطريقة او بأخرى طاولة حوار تتيح معالجة المشكلات التي تواجه اللبنانيين، والتي تبدأ من رواتب المعلمين واسعار المحروقات ولا تنتهي عند مسائل خطيرة تتربص بالبلاد في زمن المتغيرات الاقليمية الكبيرة.