#dfp #adsense

حديث القطع..

حجم الخط

لا يعطي نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم فرصة لالتقاط الأنفاس. يطلق مواقفه وأحكامه بوتيرة سريعة وغير هيّابة ويقرر: 14 آذار جزء من مشروع أميركي إسرائيلي وقرار المقاومة هو المواجهة. هكذا بالحرف.

مرّ الكلام، ولم يتوقف عنده أحد. وذلك ربما، لأن أحداً ما عاد ليتفاجأ بأي موقف يصدر عن أي مسؤول في الحزب منذ أن ولج هذا الحزب في الحياة السياسية اللبنانية من بابها الأضيق: باب المناكفات والكيديات وتكبير الكلام واستسهال إطلاق الأوصاف والنعوت والاتهامات بحق الآخرين. أياً كان هؤلاء، طالما أنهم على الجهة الأخرى المقابلة للجهة التي يقف عندها.

والأمر في الإجمال، يثير العجب باعتبار أن السهولة التي ترافق الأداء السياسي "المحارب" للحزب في المناخ اللبناني، يفترض أن لا تحجب عنه صعوبة ذلك المناخ في الأصل. خصوصاً وأنه يفتّش عن مصلحته بغض النظر عن الآخرين ومصالحهم.

.. وإذا كانت تلك المصلحة فرضت عليه مثلاً غفران ونسيان تاريخ ميشال عون وأدواره في الـ1559 وتحريضاته في المنفى على المقاومة وسلاحها ودورها.. والتطنيش بعد ذلك عن فعل عمالة لإسرائيل من قبَل أقرب المقرّبين إليه، فكيف يسهو عن بال الحزب ومصالحه، أن شيئاً مهما كبُرَ أو صغُرَ، لن ينفعه ولن ينفع مشروعه بشيء إذا استمرَّ ذلك الانقسام المحلّي الداخلي الراهن على ما هو عليه، وإذا ما أوصل ذلك الانقسام الى أمكنة موحشة كثيرة، غير تلك التي وصلنا إليها بالفعل؟.

حديث المصالح يخاطب المنطق، ولا يتطفّل على الانتماءات ودواخل الصدور. كما لا يتطفّل على المعتقدات الخاصة بكلّ طرف. بل يقوم على فرَضيّة واحدة وأساسية هي أخذ الآخر كما هو. والبحث بعد ذلك عن سبل التلاقي معه في منتصف القاعة أو الطريق أو الليل… حتى الدول والشعوب المتحاربة تصل الى تلك النقطة، وتقرّر ان حسابات مصالحها أقوى من قصائد شعرائها، وأهم من مطوّلات مُنظّريها وأخطر بما لا يُقاس من طموحات الواهمين في صفوفها. وإنها تبعاً لذلك، لا تريد الاستمرار في الحرب، أو ستكملها ولكن على البارد، طالما أن الانتحار ليس خياراً متوافراً، وطالما أن زمن الإبادات ولّى منذ آخر موقعة له بين "التوتسي" و"الهوتو"!.

"حزب الله" في لبنان، ضيفٌ جديد على السياسة في الإجمال. لكنه ضيفٌ ثقيل الوطأة. يدخل الى قاعة نقاش مدجّجاً بالخرطوش والبارود. لا يستطيع التمييز بين تلك القاعة والموقع العسكري. كما لا يستطيع التمييز بين "الخصم" السياسي و"العدو" السياسي. والأخطر من ذلك، انه لا يستطيع (وربما لا يريد) التمييز بين "اللحظة" الراهنة ومتطلّباتها وديمومة المسلّمات والحقائق، ولا بين التكتيك المعقّد والاستراتيجي المبسّط أو البسيط.

والتوضيح هنا واجب شرعاً وحكماً: تختلف مع الآخرين على مسائل مهمّة وخطيرة ( المحكمة والسلاح وغيرهما) لكنَّ الآخرين لن يذهبوا الى أي مكان. هم هنا باقون طالما بقيَ الزمان سيّاراً والشمس دوّارة في مستقرّ لها. وحصل سابقاً، وسيحصل لاحقاً، أن هؤلاء الذين تعدّهم جزءاً من مشروع إسرائيلي (؟؟؟) جلسْتَ معهم بالأمس وستجلس معهم في الغد. فكيف يستقيم ذلك الأمر، بين أعداء على هذا القدر من العداوة والشراسة؟ وكيف تركب هذه السيبة الفظيعة؟ وكيف لك أن تتّهم أكثر من نصف الشعب اللبناني بالتماهي مع الإسرائيليين؟ وأن تطلق صيحات المواجهة مع نصف من ذلك النصف يختلف معكَ في السياسة ويتفّق معك على "أن لا إله إلا الله وأن محمّداً رسولُ الله". فيما النصف الثاني من ذلك النصف، يختلف معك في السياسة ويتفّق معك (إذا شئت) في الكتاب وأهله والوطن والهويّة والأنسنة؟ وكيف يمكن أن تكون مصلحة "المقاومة" التي تدّعي تقديسها في فتح أبواب الفتن في وجهها وادخالها في كلّ مرّة في تجربة أمرٌ وأسوأ من سابقاتها؟ لماذا كل هذا العتوّ والغلوّ والتطرف في الكلام والأحكام؟ ولماذا كلّ هذا البطر والمكابرة؟ ولماذا كل هذا "المشروع" من أساسه طالما أنه قائم ويقوم على المذبحة الأهلية بين المسلمين أينما كانوا؟.
"خطاب القطع موهوم مأزوم.. كان كذلك وسيبقى

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل