ان من ابرز اسباب استمرار واستفحال الازمة اللبنانية على مر تاريخ البلد السياسي الحديث وحتى يومنا هذا، بخاصة مع المحيط الاقليمي القريب، ظاهرة وجود احزاب وتكتلات سياسية لبنانية العضوية ولكن خارجية العقيدة والولاء. ما أثر ويؤثر سلبا بدرجات قوة الولاء من قبل تلك الاحزاب والتكتلات لهذا الخارج على حساب الولاء للبنان الدولة والهوية والرسالة الفريدة في الشرق.
فمع احترامنا للجميع واذا نظرنا نظرة سريعة الى بعض من مكونات قوى "8 اذار" لوجدنا فورا ان نسبة لا يستهان بها لا تدين لا في عقيدتها ولا في نشأتها ولا في سياستها العامة بالولاء للوطن بل للخارج لاولياء النعمة وعرابيهم "القومجيين" و"الممانعين" و"المقاومجية".
لن ندخل في تعداد لهذه المكونات فلعلها وفي صميم نفسها تدرك حقيقة ما هي عليه في حقيقتها – وما التستر وراء مقولات غوغائية كالشعارات القومية والعقائدية سواء العلمانية او الدينية الا غطاء لاسكات اي صوت يحاول اصلاح او اقله القاء الضوء على هذه الظاهرة الشاذة في تاريخ الشعوب والدول المتجاورة والمتقاربة. فلم نر مثلا حزبا جزائريا في تونس يدين بالولاء للجزائر ويعمل من الاراضي التونسية على دعم وخدمة مصالح الجزائر، علما ان ما يربط الجزائر بتونس يتطابق تماما مع ما يربط لبنان بسوريا من حيث العوامل الجغرافية والتاريخية وقد ترجمت في ما يسمى اصطلاحا "بلاد المغرب العربي" مقابلة مع ما يسمى اصطلاحا "بلاد الشام". ومع ذلك نجد ان تونس بقيت ولا تزال تونس الدولة السيدة المستقلة والسيدة والحرة التي يدين ابناؤها بالولاء لها كما ان الجزائر بقيت ولا تزال الجزائر الدولة السيدة والمستقلة والحرة التي يدين ابناؤها بالولاء لها – فلا تدخل ولا تأثيرات متبادلة بينهما – ما ينطبق على علاقات البلدين مع محيطهما المغاربي في المغرب وموريتانيا.
فالعبرة في الاحزاب التي تنشأ في الدول هي في مدى ولائها ام لا لدولتها ولشعبها لا لدولة وشعب اخر مهما اشتدت اواصر القربى والتداخل والانصهار بين الشعوب.
نعلم ان الاوان ليس مناسبا لفتح ملف الاحزاب في لبنان واصلاحها، ولكن ومع ذلك لا نستطيع المرور على الظاهرة الخطيرة التي استفحل دورها في الاونة الاخيرة في لبنان مرور الكرام من دون التوقف عند الانقلاب الكبير في الادوار التي لعبتها ولا تزال تلعبها بعض احزاب قوى "8 اذار" في رهن القرار اللبناني والدولة اللبنانية كليا لوجهة نظر واحدة من دون اخرى انطلاقا مما جرى في موضوع الغاء لقاء دعم الشعب السوري في فندق البريستول بقوة الشارع والتهديد والوعيد بحرب اهلية والضغط على اكثر من 25 فندقا لمنع استضافة مثل هذا اللقاء عندها – مرورا بما حصل في يوم ذكرى من تجاوزات دفعت لبنان معنويا وسياسيا اثقال ما كان بامكانه ان لا يتحملها بمفرده لو ان "همروجة" يوم النكسة اتت بقرار عربي جامع بفتح حدود الزحف على فلسطين امام كل الشعوب العربية والجيوش العربية بدل ان تبقى تلك "الهمروجة" العشوائية مقتصرة على بضعة شبان من هنا وبضعة شبان من هناك فقط لايصال رسائل اقليمية ودولية من قوى التصدي والصمود والممانعة والمقاومة وما الى هنالك – على حساب سيادة ومصداقية الدولة اللبنانية والتزامتها الدولية ولا سيما التزامها بالقرار 1701 والكل يعلم ما كان لـ"حزب الله" من دور تحريضي وتسهيلي على الاقل لتنظيم مثل هذه الهمروجة انفاذا لاجندة ايرانية – سورية مشتركة تعيد شد العصب الايراني تجاه واشنطن واسرائيل وتقلق واشنطن واسرائيل من تداعيات انهيار النظام السوري الحالي.
فمن يرسم هذه السياسات ويحدد القرارات اللبنانية الكبرى في مواجهة تطور الحوادث في لبنان والمنطقة باتت تلك الاحزاب والتكتلات غير اللبنانية في قوى "8 اذار" – تبعا لمصالحها مع انظمة وليس مع شعوب تلك الانظمة – مهما كلف الامر – فيما الدولة مغيبة وقرارها مصادر وتدخلاتها تقتصر على لملمة ما امكن من اضرار للحد منها قدر الامكان محليا واقليميا ودوليا.
هذه الاحزاب التي تعرف من اسمائها كانت وستكون دائما اساس خراب البلد ومصدر اساسي للحروب وعدم الاستقرار الداخلي اللبناني، لا بل عائقا اساسيا امام قيام لبنان سيد وحر ومستقل لا يشكل تهديدا للمحيط فيما هي تشكل المعبر المريح للخارج على شؤون الداخل اللبناني.
فمعادلة ان لا يشكل لبنان مقرا او مستقرا لزعزعة امن سوريا مثلا بات من الملح ان تقابلها معادلة ان لا يكون لسوريا – ولا لايران من خلال احزاب وتكتلات ربيبة لها في لبنان – حق التدخل في شؤون لبنان الداخلية لزعزعة الوضع الداخلي فيه …
هذا ان اردنا فعلا قول الحقيقة في الموضوع مهما كانت صعبة …
فالاحزاب مختبرات الولاء للبنان … وللذاتية اللبنانية…
فالولاء للبنان لا يأتي ابدا من خارجه…
فكيف باحزاب تنصب على اللبنانيين من الخارج؟؟؟
