يقترن المفهوم الاعتيادي للأزمات في لبنان بكونها مواسم حيوية استثنائية ومنشطة لما يعرف بالطبقة او بالنخب السياسية، مع التحفظ الشديد عندنا عن التوصيف النخبوي، غير انه مع الازمة الحكومية الراهنة ترتسم علائم شذوذ عن هذه القاعدة، فاذا بنا في الشهرين الأخيرين على الاقل من اصل اربعة توشك الازمة على استهلاكها امام مشهد مختلف يستحق عناء المعاينة عن قرب.
تظهر على المشهد السياسي عموما عوارض هبوط قل نظيرها، عاكسة شدة الجفاف والضحالة التي تحكم لبنان في هذه الحقبة. وهي سمة لافتة تظهر معها مثلا قوى 14 آذار في موقع التقاعد او القعود كأنها ليست معنية بمجريات الازمة، فيما تظهر قوى 8 آذار والاكثرية كأنها استجمعت بقوة قاهرة يوما ثم استسلمت بدورها للعجز المضني مع انها المعنية المباشرة بانهاء الازمة.
قد يصح الكثير مما يمكن ادراجه من عوامل داخلية وخارجية في تفسير هذه الظاهرة خصوصا بازاء طبقة سياسية لا تعوزها غالبا، وفي اكثريتها الساحقة، صفات الحدة والانفعال والتحفز وحتى العنف في الاداء والتعبير وربما في بعض الممارسات. ولكن الاهم من الاغراق في تبين هذه العوامل هو معرفة ما اذا كنا امام طبقة سياسية اصيبت بسكتة القعود والعجز ام تستعين على زمن الفوضى الاقليمية الزاحفة بالتهيب والانتظار.
ذلك ان هذا السلوك المتراجع ليس من شيم هذه الطبقة على الاطلاق. فهي طبقة مقاتلة وقتالية سواء في السياسة او في الميدان او في سائر المعتركات. وسواء كانت قوى 14 آذار او 8 آذار وبالصرف النظر عن مبدئيات كل منهما، فهي مقدودة من واقع شديد البأس في العراك السياسي. وفي الحال الراهنة يكاد البعض يرى ايجابية عريضة نادرة هي تراجع الحداء السياسي الى اقصى درجاته بين المعسكرين في المدة الاخيرة. وهي حتما ظاهرة ايجابية لو انها تتكئ الى مرتكزات ثابتة، غير ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ولو ان الناس يفيدون على الاقل من تراجع نسبي ملحوظ في "ادبيات" التعبئة والتحشيد والتحريض والسجالات. فهل تراها علائم استشعار لدى مختلف القوى السياسية بعقم المعارك الداخلية والذهاب الى انتظار غير محدود؟
أغلب الظن ان هذا هو واقع الهبوط بدليل الاستفاقة الاخيرة على الدليل الساحر في استحضار جدل دستوري وفقهي حول انعقاد مجلس النواب او تعويم تصريف الاعمال وتوسيعه. .
ولعلها مفارقة ناضحة بكل السخرية، ان تتقدم الطبقة السياسية صفوف المتبطلين والعاطلين عن العمل، بحيث غدت عالقة بين تصريف أعمال في ادنى مستوياته وأزمة حكومية في اعلى سقوفها.
ولم تجد هذه الطبقة ما تشغل بطالتها به سوى استفاقة متساجلة على موفدين "فوق العادة" زارا بيروت في وقت خاطئ، فعادا بجعبة باهتة. فعساها تكون ايجابية اخرى ان نعمم الملل على الموفدين!