كتبت سابين عويس في "النهار": قد تكون زيارة مساعد وزيرة الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان لبيروت أواخر الاسبوع الماضي، والتي تزامنت مع زيارة لنظيره الايراني محمد رضا شيباني، قد حركت المستنقع الحكومي لكنها لم تغير شيئا في المشهد بما انها لم تساهم في تحقيق أي تقدم ولو بسيط بل على العكس، على ما يقول مصدر سياسي مطلع على المشاورات لتأليف حكومة، وأضفت المزيد من التشدد في المواقف المتفاوتة ولا سيما عند الاكثرية الجديدة التي رأت في الزيارة هدفا مزدوج البعد: تأكيد الضغوط التي يتعرض لها رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي وتحديد الشروط الدولية ولا سيما الاميركية منها حيال الالتزامات المطلوبة من اي حكومة سيؤلفها، وتجديد الموقف الاميركي من المحكمة واهمية التزام الحكومة العتيدة القرارات الدولية مما يوفر جرعة دعم لقوى الرابع عشر من آذار المنكفئة عن المشاركة حاليا في انتظار بلورة المشهد الحكومي لتبني على اساسه معارضتها.
وتكتسب الزيارة اهمية خاصة بحسب وصف المصدر السياسي اللبناني من حيث تزامنها مع خطاب الرئيس الاميركي باراك اوباما اذ اتاحت لفيلتمان أن يقول ما لم يقله رئيسه في الملف اللبناني وذلك منعا لأي التباس حول الموقف الاميركي حيال لبنان وتراجعه في سلم اولويات الادارة الاميركية.
وفي هذا المعنى يتوقف المصدر عند ثابتتين عكستهما الزيارة وخطاب اوباما على السواء:
– الاولى، ثبات الموقف الاميركي حيال لبنان والتزامه قضاياه ولا سيما احترام القرارات الدولية والاستمرار في دعم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وضرورة ان يأخذ الرئيس المكلف هذه الثوابت في الاعتبار عند تشكيل حكومته لأنه على أساسها سيتم تحديد آلية التعاطي معها. ولا تقف الرسالة الاميركية عند حدود الرئيس المكلف بل تتجاوزها الى المعنيين الاساسيين في عملية التشكيل ولا سيما "حزب الله".
– والثانية، الالتزام الاميركي حيال القضايا الساخنة في المنطقة ولا سيما منها سوريا، كما عبر عنه بوضوح اوباما في خطابه وعملية التقاط الانفاس والالتحاق بقطار التغيير العربي، بعدما ادركت الادارة الاميركية انه لم يكن لها او لغيرها أي دور في "الربيع العربي"، وذلك من خلال الاعلان عن اجراءات تشجيعية تؤمن مقومات الصمود على غرار برامج الدعم التي شهدتها اوروبا الشرقية. وهذا الالتزام يجعل الاولوية الاميركية في مكان آخر على حساب تراجع لبنان على الاجندة الاميركية في المنطقة. وقد بدا واضحا من خطاب الرئيس الاميركي ان سوريا تأتي في مقدمة هذه الاولويات. وليست اللهجة المتشددة لأوباما إلا انسجاما مع موقف الحليف الاوروبي الناجم في رأي المصدر السياسي عينه عن عدم التزام سوريا وعودها للمجتمع الغربي.
من هنا، لا يتوقع المصدر ان يشكل لبنان اي أولوية اميركية او غربية في المرحلة الراهنة في انتظار بلورة المشهد العربي عموما والسوري خصوصاً، ويدعو الى ترقب التطورات انطلاقا من عاملين:
اولهما ترقب تطور المسارين السوري والايراني ومدى امكان فصل الاول عن الثاني، مع ما يعنيه ذلك بالنسبة الى الهامش الذي سيتاح امام سوريا لمواجهة الضغوط الدولية او حتى تخفيف حدتها.
والثاني ترقب اي خطوات انفتاحية مطلوبة حيال الجماعات الاسلامية والتطلع اليها كأحد مكونات المجتمعات على اساس النظرية التي يؤمن بها الغرب وترفضها الولايات المتحدة والقائمة على معادلة ان اقصاء هذه الجماعات يزيدها تطرفا وعداء فيما اخراجها الى العلن من شأنه ان يبين حجمها الحقيقي ويعوم خلافاتها على السطح ويحد من حجم التضخيم لقدراتها، وهو ما بدا واضحا في تجربتي تونس ومصر ومطلوب ألا يتكرر في تجربة سوريا او دول اخرى.
وعلى هذا، وحيال هشاشة الوضع الداخلي اللبناني، يستبعد المصدر عينه لجوء "حزب الله" الى السير بتشكيل الحكومة، مشيرا الى مفارقة لافتة في هذا المجال اذ يقول " لا يقدر "حزب الله" على تأليف الحكومة التي يريدها ولا يريد في المقابل تأليف الحكومة التي يقدر على السير فيها".
والارباك الذي تعيشه الاكثرية الجديدة في مقاربتها الملف الحكومي وقراءتها للمتغيرات الاقليمية والمواقف الدولية منها يتطلب في المقابل، في رأي المصدر، وضوح الرؤية والقراءة عند قوى الرابع عشر من آذار وذلك من خلال ترسيخ ثوابت هذه القوى ولا سيما في شأن المحكمة والتنبه الى عدم الوقوع في فخ الاستدراج الى أي فتنة محتملة يقصد بها إبعاد الاضواء عن الساحة السورية، وخصوصا ان هشاشة الوضع الداخلي تجعل البلاد مكشوفة على مخاطر الانزلاقات السياسية والامنية