أمام هوج الأحوال المنسحبة على أكثر من ساحة في المنطقة، والتي تنذر بتغيّرات يمكن أن توصف بالجذريّة، يعيش بعض اللبنانيين حالة تفكيكية جثمت في أذهانهم ففصلتهم عن زمانهم الجاري. واستمرّ هؤلاء في نهجهم الخشبي، مستخدمين القاموس البائد نفسه في التعاطي مع الواقع الداخلي، والسكيزوفرينية في الموقف تجاه ما يحدث حولنا. فتارة تتصاعد وتيرة تأييدهم لوقفة شعب مطالب بالحرية والعدالة، وتارة يبرز بشكل نافر دعمهم نظاما يقمع شعبه ويصفّي الذين جاهروا بالحراك لتحقيق الحرية والعدالة. وعلى هذا المعيار يكون تقييم مواقف الأخرين، فهؤلاء قوميّون أبرار ووطنيّون صادقون وتقدّميّون راقون، عندما يدعمون ثورة الشعوب التائقة الى أسقاط الأنظمة الجائرة التوتاليتارية التي لا تتورّع عن فعل الأبادة، لتغذّي استمرار حكمها بدم الأحرار. وهم نفسهم متآمرون خونة، متعاملون مع الأمبريالية المدمّرة، منفّذون لأهداف الصهيونيّة البغيضة، أذا دعموا الحركة المطلبية لأخوانهم في سوريا.
فأيّ انفصام هذا، عندما يكون الواحد مع الشيء وضدّه، في الوقت نفسه؟ لقد أتّهموا فريقا من اللبنانيين بالتحريض للأنقضاض على رأس النظام وأسقاطه، واستبسلوا في المتاجرة بخبر أرسال أسلحة و"مقاتلين" الى الداخل السوري لدكّ نظام الحكم هناك، كلّ ذلك من دون تأمين أيّ حجّة أو دليل قاطع. لقد تبنّوا البروباغاندا التي يعزفها الأعلام الواحد التابع للسلطة، وكأنّ ما يروّجه منزل وليس بحاجة الى برهان. ووضعوا أصابعهم في آذانهم لكي يحجبوا أصغاءهم عن سماع مصادر أخرى، لأنّهم اعتبروها ملوّثة وغير ذات مصداقيّة. وقالوا إنّ كل كلام في الأتجاه المعاكس لمسار النظام هو تجاوز للخط الأحمر، وبالتالي يجب تجريم صاحبه ودفعه الى المقصلة.
إنّ وجه الخطورة في هذا المجال، يبرز في الصورة التي يضعنا أمامها "المناضلون الجدد" الذين برّروا انقلابهم على الحكومة التي باتت تصرّف الأعمال، بأنّ رئيسها أستئثاري، جعل منها أحاديّة القطب، يعود ريعها الى أزلامه وبطانته، وهو يمارس القمع "التشاركي" على كل من تجرّأ وخالفه الرأي….. ولنسلّم جدلا بأنّ هذا التوصيف لرئيس الحكومة المرغم على الأستقالة، هو الحقيقة بعينها. وهذا ما لا يستسيغه أحد أو يمرّره، وبالتالي تصبح معارضته ملزمة، وإسقاطه واجبا وطنيّا ومطلبا شعبيا.
ويطرح المنقلبون البدائل المقبولة نظريا، من أصلاح للنظام والممارسة، وأفساح في المجال لفرص عمل جديدة، وترسيخ حقيقي لمبادئ الديمقراطية، ومنع للهدر والنهب والأحتكار والأثراء غير المشروع، وتوسيع كوّة العدالة والمساواة….
بعد هذا، ينبغي أن نحيل المنقلبين هؤلاء على ما ينادي به جمهور المتظاهرين في المدن السورية، ويرفعه الناس في مسيرات الموت. انّ نظرة معمّقة الى ما يطالب به الشعب هناك تبيّن، وبوضوح تام، التلاقي لا بل التماهي المطلق بين صرخات السوريين وتبريرات المنقلبين حتى ليظنّ بأنّ الخطاب الأنقلابي الذي أعلنته قوى الثامن من آذار، قد عملت على تمريره الى الداخل السوري، ليرفعه المقهورون في وجه المتسلّطين. أمّا وأن كان الواقع بعكس ذلك، فالمنقلبون عندنا مصابون بـ "الحول" السياسي، فكل عين تنقل الى عصب الرؤية فالعقل صورة مختلفة عن الأخرى، وتختلط الصورتان ويتمّ التشويه ويصدر الحكم مسخا. العجيب أنّ "أصحابنا" من المنقلبين، أودعوا أنفسهم قفصا محكم الأغلاق، أو كانتونا يتجوّل في أرجائه فكر واحد ورأي واحد وأيديولوجيّة واحدة عصيّة على الأنفتاح. ويحاولون تعميم هذه الأحادية المنعزلة على النسيج الداخلي، ويستميتون في الدفاع عن مثيلتها في وجه شعب يريد الحياة، وكأنّهم لم يعرفوا أنّ الماء المتدفّق صعب أيقافه، وأنّ الحصان الذي تلسعه ذبابة، يحاول أن يلفحها بذيله، لكنّه يتابع السباق.