عندما قام "الجهابذة" بانقلابهم "الدستوري" في منتصف كانون الثاني الفائت، كان في اعتقاد عتاتهم ان موازين القوى باتت محسومة لمصلحة النظام في سوريا و"حزب الله"، بحيث صار في الامكان الاستغناء عن "الصيغة" و التوازنات الدقيقة لتشكيل سلطة من شأنها ان تأخذ البلاد الى ضفة ما يسمى زورا "الممانعة". و على مسار مواز كان في اعتقاد البعض ان الاذعان وحده يحمي وقت انقلاب موازين القوى.
بداية، كان كلام عن حكومة اللون الواحد، ثم عن حكومة مختلطة تجمع اللون الواحد بالتكنوقراط غير الاستفزازيين. و ما من مرة كان طرح حكومة وحدة وطنية يدخلها الاستقلاليون موضوعا على الطاولة بهدف يتعدى اهداف حملة العلاقات العامة التي كانت على أشدها مع الداخل و الخارج. و الحال ان نجيب ميقاتي ما كان يقدر على الاجابة عن أسئلة الاستقلاليين بخصوص السلاح و المحكمة، فهو دخل على أسس واضحة بضمانة من الرئيس السوري بشار الاسد الذي كان يعرف انه هو من سينتزع المواقف الجوهرية من ميقاتي لا السيد حسن نصرالله. فالمرجعية الحقيقية لميقاتي كانت الاسد الابن شخصيا وبقيت كذلك.
بين منتصف كانون الثاني وأواخر أيار الجاري انقلبت الدنيا رأسا على عقب، فصار في الامكان ان يتقدم طرح عزيز على قلب ميقاتي ألا و هو حكومة التكنوقراط التي يكون هو المتقدم فيها بغياب فريقي الصراع الكبير في لبنان. و صار ميقاتي يراهن على موقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان المنشغل بحرب ضروس مع الجنرال ميشال عون، و على حليفه وليد جنبلاط الغارق في بحر من التناقضات و الباحث عن السلامة، من أجل ان يدفع بمشروعه لقيام حكومة تكنوقراط تكون حلا موقتا حتى موعد الانتخابات المقبلة وتأتي تلبية لحاجة البلاد الى تهدئة الوضع السياسي.
لم يخطر ببال ميقاتي أن من أتوا به ما أقدموا إلا ليكون ححرا على رقعة شطرنجهم. و لم يخطر بباله ايضا ان نظاما في سوريا يترنح و يكاد يتهاوى بفعل الانتفاضة الشعبية المتعاظمة ضده، لا يسعه ان يقبل بلبنان حياديا في الوقت الذي يضع بشار الاسد مصيره على الطاولة بإقدامه على قتل المئات في سوريا لاسكات الشعب. ففي الوقت الذي تغادر "حماس" سفينة النظام في سوريا، ووقت تقوم جبهة عربية واسعة ضد السياسة الايرانية في المشرق العربي، وفي الوقت الذي ينتفض أكثر من شعب عربي، كيف يمكن الاسد الابن التخلي عن "عقدة لبنان" المتحكمة به، و ترك بلاد الارز تنعم بمناخ سياسي هادئ؟ وهل يعقل ان يقبل "حزب الله" بالتخلي عن حلم السيطرة على لبنان، وهو الذي كان قاب قوسين أو أدنى من التحكم بمفاصل الحكم فيه؟
ان حكومة تكنوقراط حل معقول بحدود ضيقة، ولكن السؤال لا يتعلق بحرب الجنرالين، بل بعقدة الاسد الابن اللبنانية، و بأحلام العظمة لدى "حزب الله"، و ايضا و خصوصا بأجندة طهران في هذه المرحلة. فلننتظر و نر.