هل يحسم اللقاء الماروني المقبل في بكركي خياراته؟
إما دولة قوية محايدة وإما لامركزية واسعة
اذا كان التحفظ الشيعي عن بيان القمة الروحية التي انعقدت في بكركي حول سلاح المقاومة قد افقد البيان بعض القوة المعبّرة عن وحدة موقف رؤساء الطوائف، فهل يكون لمسيحيي 8 آذار او بعضهم مثل هذا التحفظ في لقائهم المقبل في بكركي؟ واذا كانت القمة الروحية تعتبر ان موضوعي السلاح والمحكمة الخاصة بلبنان هما شأن السياسيين، فإن هؤلاء مختلفون على ذلك ويشكل خلافهم سبباً مهماً من اسباب تعثر تأليف حكومة جديدة. وهل يلتقي الزعماء المسيحيون في 2 حزيران المقبل في بكركي على موقف واحد من سلاح "حزب الله"، كما اتفقوا في الماضي على رفض السلاح الفلسطيني وعلى بقاء الجيش السوري في لبنان خلافا لاتفاق الطائف، ام انهم لا يتوصلون الى اتفاق فيبقى لبنان من دون دولة الى اجل غير معروف؟ ان وطنا من دون دولة ليس وطنا.
لقد اجمعت الكنائس المسيحية بعد السينودس من اجل لبنان والمجمع البطريركي الماروني ومؤتمرات البطاركة والاساقفة والاجتماعات المسكونية على اعلان "شرعة العمل السياسي" في ضوء التعليم المسيحي وخصوصية لبنان في مؤتمر عقد في قصر المؤتمرات في ضبية (آذار 2009)، وركزت هذه الشرعة على الكيان والقيمة الحضارية والحياد في الصراعات وحصر السلاح بالقوى الشرعية.
وكان قد عقد في تموز 2008 ما سمي "اللقاء الوطني المسيحي" ومن اركانه: العماد ميشال عون، سليمان فرنجيه، ايلي سكاف، ايلي الفرزلي، جبران طوق، كريم بقرادوني وحزب الطاشناق، وصدر عنه بيان لفت الى ثلاثة اخطار: خطر التوطين، وخطر شراء الاراضي من غير اللبنانيين، وأعلن رفض الامن الذاتي والحمايات الخارجية ومشاريع التقسيم والانفصال.
وقبل هذا اللقاء كانت قد عقدت في قصر بعبدا في حزيران 2008 قمة روحية اكدت "التزام وحدة الدولة والمحافظة على السلم الاهلي والعيش المشترك والتمسك بالنظام البرلماني الديموقراطي الحر وتعزيز سلطة الدولة وسيادتها على اراضيها واحترام صيغة التنوع".
وفي تجمّع مسيحي عقد في بكركي في تشرين الثاني 2010 برئاسة البطريرك الكاردينال صفير، اطلق نداء "من اجل لبنان"، ومما جاء فيه: "(…) اقتناعا منا بأن الازمة الوطنية الحادة التي تعاني منها البلاد لم تعد محصورة بخلافات سياسية بل تعدتها لتطاول جوهر الخيارات الوطنية وإرادة الاكثرية اللبنانية التي عبرت عنها نتائج الانتخابات النيابية، وشعورا منا بخطورة وضع اللبنانيين، يعلن المجتمعون ان لبنان بخطر شديد وهو خطر يطاول كل اللبنانيين مسيحيين ومسلمين فيصيبهم ما اصاب اخوانهم في العالم العربي من جراء سقوط الدولة في بلدانهم وسيطرة التطرف الديني والخوف من انتقال الفتنة اذا ما اشتعل فتيلها في بعض العالم العربي الى الداخل اللبناني، ويدعون جميع المؤمنين بوطنهم النهائي الى الدفاع عن الصيغة الفريدة للعيش المشترك ومواجهة الفتن الطائفية والمذهبية ومشاريع الدويلات، والعمل على وضع حد لازدواجية السلاح وحصر مسؤولية الدفاع عن لبنان بالقوى الشرعية مدعومة من الشعب اللبناني".
وفي شباط 2011 طالب الاجتماع الاسلامي الموسع الذي انعقد في دار الفتوى الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي بـ"التبصر في مواقفه وعدم الخروج من الثوابت الاسلامية، ومنها المتعلقة بتطبيق الدستور والعيش الوطني الواحد والمناصفة والتمسك بالمحكمة الخاصة بلبنان وعدم زج لبنان في سياسة المحاور وعدم ترهيب اللبنانيين بالسلاح واستخدامه في العمل السياسي للتعطيل والسيطرة".
وبالعودة الى كل البيانات التي صدرت عن لقاءات عقدت في اوقات مختلفة ومنها القمة الروحية الاخيرة في بكركي تبين ان كثيرا من العبارات يتكرر فيها لكنها تبقى حبرا على ورق، وما هو موضوع خلاف، مثل السلاح خارج الدولة يبقى موضوع خلاف، وهذا ما يضعف الدولة ويجعل فئة غالبة وفئة مغلوبة.
لذلك مطلوب من الزعماء الموارنة في لقائهم المقبل في بكركي التصدي للمواضيع المثيرة للخلاف.
ان مسيحيي قوى 14 آذار متفقون مع مسلمي هذه القوى على شعار "لبنان اولا، ولا سلاح خارج الدولة"، فهل يلتقي مسيحيو 8 آذار مع مسيحيي 14 آذار على ذلك ام يظلون ملتزمين موقف مسلمي 8 آذار خدمة لمصالح سياسية مشتركة وإن على حساب مصالح الوطن؟
الواقع ان المسيحيين بعدما فقدوا قوة العدد لم يعد ثمة ما يحميهم ويضمن بقاءهم في وطن هادئ مستقر لا هجرة منه سوى قوة الدور ووحدة الموقف من قيام الدولة القوية القادرة والعادلة. فلا موضوع بيع الاراضي ولا موضوع الجنسية ولا خطر التوطين ولا حصتهم في التعيينات ولا حتى مزيد من الصلاحيات لرئيس الجمهورية يضمن لهم ذلك عندما لا يكون لبنان دولة… فاذا ظل الخلاف قائما على وجود السلاح خارج الدولة وعلى تحييد لبنان عن صراعات المحاور، فلا يبقى عندئذ حل الا بالنظام الفيديرالي او بتطبيق اللامركزية الواسعة كي ينتهي صراع الطوائف على السلطة المركزية وعلى المحاصصة فيها.