#adsense

… ومتى “الرد” بالحكومة؟

حجم الخط

يتعين الإقرار لرئيس الجمهورية ميشال سليمان بأنه تحلى بواقعية سياسية وبتواضع شخصي حين امتنع عن توجيه رسالة نصف الولاية الرئاسية الى اللبنانيين لمناسبة مرور ثلاث سنوات على انتخابه. وهو أمر يكتسب دلالة في الشكليات وسط ظروف خانقة يجتازها لبنان لكأن المرارة من استهلاك الوقت واستنزاف الازمات تزحف على البلاد من قمتها الى كل مكان فيها. ولكن الامر لا يقف عند حدود هذه الدلالة الرمزية القاتمة فحسب، بل يتوغل الى حقيقة سياسية أعمّ تتصل بذلك اللغز الذي جعل لبنان يختنق عند أزمة تأليف حكومة.

وبصرف النظر عن حسابات المكايدة والتشفي والتمريك التي لا تطعم جائعا ولا توقف زحفا للاختناقات الاقتصادية والاجتماعية إن لم نقل انهيارات مخيفة قد تكون مقبلة تباعا، لا بد من مساءلة كل قوى الاكثرية ماذا تراها كانت لتقدم أفضل من حكومة في ذكرى التحرير نفسها اليوم؟

لعل ما ينبغي إبرازه في هذا السياق هو البعد الوطني الصرف لمفهوم الحكومة، الذي يبدو أنه سقط تماما في مجريات التناتش الشخصاني والمحاصصي النهم حتى ضمن فريق يفترض انه يعمل تحت لافتة وطنية واحدة. صحيح أن ميثاق الطائف ودستوره لا يلحظ مهلة محددة لتأليف الحكومات، لكن ذلك لا يعني بالمفهوم الدستوري أن ليس هناك مهلة حث معنوية وأخلاقية ملزمة على تشكيل الحكومة في أقرب فرصة بعد التكليف.

فمصالح الأمة في الدستور تعني أن التأليف ليس ترفا مفتوحا. وأشد ما بات يستدعي اعادة النظر في هذه النقطة هو ان نصف عهد الرئيس سليمان استهلك ثلاث أزمات تأليف حتى الآن وربما يكون الحبل على الغارب لأن القوى السياسية تجد في هذا الاعتلال ثقافة توظيف مثالية لاسترهان البلاد لمصالحها وطموحاتها.

ثم ان الحكومة حين تتشكل تصبح حكومة لبنان وليس حكومة فريق. ولو جاءت بها أكثرية موصوفة حتى من لون واحد. في المنطق الديموقراطي وقواعده المجردة، ليس ما يمنع اطلاقا قوى الاكثرية الحالية ان تقبل على تأليف "حكومتها"، ولكن حين تصدر مراسيمها فانها تغدو حكومة لبنان الشرعية المسؤولة عن مجموع الشعب اللبناني ومصالحه تحت رقابة المعارضة ومساءلتها. واذا كانت قوى في الاكثرية مقتنعة بأن قوى دولية تريد اجهاض تأليف الحكومة فالادعى والحال هذه، تحت تأثير هذا الاقتناع، أن يكون الرد بتأليف الحكومة. فأين هو هذا البعد في اختلاق الدخان الكثيف المتصاعد يوميا لتبرير الاختناق بالانتهازية؟ ولماذا تحولت أزمة تأليف حكومة الرئيس ميقاتي الى نكسة موصوفة ما دامت مكوناتها جميعا منضوية تحت لواء فريق يناهض مبدئيا او عمليا او يتحفظ في أقل الاحوال عن الانسياق وراء أي ارادة دولية مماثلة؟

ولعل ما ينبغي الاشارة اليه أخيرا هو أن معايير الأكلاف لاستيلاد حكومة مكلفة لم تعد تقاس بأكلاف تعطيل لبنان برمته وتعليقه على حافة الانهيارات. فماذا بقي من الفرصة الضائعة اذا؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل