لم يكن الانسحاب الإسرائيلي المذلّ من المناطق الجنوبية المحتلة قبل 11 عاماً، إلا إنجازاً تاماً صافياً لا تشوبه شائبة، ولا تنغّصه اتفاقية تنازلية واحدة.
ما تلا الانسحاب، كان ضمن ذلك المناخ بدوره: لم تُسجّل واقعة دموية واحدة. لا على خلفيات ثأرية خاصة، ولا على خلفيات وطنية عامة. وفي ذلك أداء غير مسبوق في الحالات المماثلة، حالة ذهاب احتلال وعدم المسّ بمن تعامل معه. والتاريخ هنا يحكم للمقاومين ولا يحكم عليهم، رغم ان التركة كانت ثقيلة جداً، وممتدة على امتداد القرى والبلدات والمدن الجنوبية التي رزحت تحت الاحتلال على مدى ربع قرن، وشهدت في كل واحدة منها حوادث كثيرة. مجازر صغيرة. اعتداءات دائمة. تنكيل ممنهج. اعتقالات يومية. وكبت أنفاس لا يُطاق. خطف وإهانات، وما الى ذلك من يوميات أي احتلال وتفاصيل أداء المتعاملين معه.
..كل ذلك تبخّر في ذلك الخامس والعشرين من أيار عام 2000. وبدا الداخلون الى المنطقة المحررة ذلك اليوم وكأنهم في نزهة ربيعية في مناخ غير عادي، لكنه استثنائي في هدوئه وطبيعته.
وفي خلفية ذلك، يتداخل السياسي بالأخلاقي. ومن ضبط أداء العموم آنذاك تصرّف بذكاء وبُعد نظر، وحمى الجمهورية واللبنانيين في الإجمال من فخّ أمرّ واقسى من فخّ حرب الجبل التي تلت الانسحاب الإسرائيلي منه في أيلول عام 1983.. ثم من ضبط الأداء يومذاك حمى تاريخ الجنوبيين وحفظهم من لوثة الدم الأهلي الذي لا يُنسى بسهولة ولا تغطيه كثيراً أدبيات مقاومة الاحتلال الخارجي.. ومن ضبط الأداء يومذاك غَرَف من زاد التاريخ العربي والإسلامي والإنساني، وترك لوهج النتيجة التحريرية أن يغطي ويطمس فوانيس المرارات والرغبات الجامحات بثأر عزيز.
لكن أين أصبحنا اليوم؟ وأين صارت المقاومة التي أدى التحية لها، الكبير والصغير من أول العالم العربي الى آخره؟ وما الذي فعله بعض أهلها بذلك الإنجاز؟ وما الذي فعله ويفعله هؤلاء اليوم، بل منذ ما بعد حرب العام 2006، وصولاً الى ذلك السابع المشؤوم من أيار 2008؟ وما الذي جناه ذلك التوظيف السياسي واليومي للمقاومة في تفاصيل الداخل اللبناني؟ وماذا يفعل سلاحها المطروح في كل حين وكل موقف على طاولة النقاش وخطابات المنابر وفي كل حي وشارع من بيروت الى كل مدينة وبلدة لبنانية؟ ماذا فعل ويفعل غير زيادة تهميش الدولة ومؤسساتها الأمنية والدستورية والسياسية الى حد استباحة الأرض المحررة ذاتها بالاعتداء والمصادرة.. وغير الايغال في دكّ أسس الاجتماع اللبناني والوحدة الوطنية ومسحها بالأرض؟
..كأن بعض المقاومين ينتقم لإسرائيل من المقاومة! وكأن ذلك البعض يفترض مطمئناً، أن توظيف سلاح تلك المقاومة في مشروع مستحيل، داخلياً وإقليمياً، أكبر منها ومن بلدنا، يمكن أن يؤتي ثماره كما حصل في قصة مقاتلة الإسرائيليين جنوباً! أو كأن وضعها في محور في مقابل محور يمكن أن يمرّ من دون أكلاف تدميرية باهظة وباهظة جداً!
من نفى قصة الاجماع الذي ساهم في الوصول الى يوم 25 أيار 2000، ينفي راهناً، من دون "مساعدة" من "الأغيار"، أي إمكانية للوصول الى أي مكان. لا في الداخل اللبناني ولا في الخارج الإقليمي!
من فعل ذلك. هم أهل "المقاومة" قبل غيرهم، بل وحدهم. الذين وضعوا 7 أيار 2008 في مقابل 25 أيار 2000 فما حصدوا إلا الكارثة! والله أعلم.