#adsense

العقوبات الأوروبية وسايكس – بيكو

حجم الخط

اعتبرت إقامة العلاقات الديبلوماسية بين سورية ولبنان، وتبادل التمثيل على مستوى سفير في دمشق وبيروت، مؤشراً الى الدخول في مرحلة جديدة بين البلدين. إذ إن الاعتراف السوري بالدولة اللبنانية والذي تم تتويجه بالموافقة على إرسال سفير الى بيروت عنى، في ما يعنيه، الموافقة على كل ما ترتب عن اتفاق سايكس – بيكو وإقامة لبنان الكبير في مطلع القرن الماضي، بما في ذلك سلخ أقضية كانت تابعة للداخل السوري وإلحاقها بدولة لبنان. وتالياً افترض هذا الاعتراف المتأخر مقاربة سورية جديدة للدولة في لبنان وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين البلدين.

لكن، ومنذ أن أصبح في بيروت سفير سوري وفي دمشق سفير لبناني، لم تظهر هذه المقاربة ولم تغير سورية نظرتها الى بلد الأرز. وحتى السلوك السوري تغيّر بما اقتضاه الانسحاب العسكري عام 2005 ليس إلا. وبقي لبنان، في الاستراتيجية السورية، المكان الذي تخاطب منه دمشق العالم، سواء الجوار الإقليمي أو القوى الغربية.

ولهذا السبب، استعادت دمشق معاهدة سايس – بيكو والأهداف الاستعمارية في ردها على العقوبات الأميركية والأوروبية على المسؤولين السوريين. إذ وضعت هذه العقوبات في إطار الأطماع الخارجية والضغوط على دمشق الواقفة في مواجهة هذه المخططات. وجاء الكلام السوري عن ارتباط بين العقوبات وسايكس – بيكو وتأكيد أن دمشق يمكن أن تؤذي المصالح الأوروبية ليؤشرا الى ربط لبنان بحال الاحتجاجات داخل سورية. وبغض النظر عن العلاقة السببية بين هذه العقوبات والقمع الدموي المفرط للاحتجاجات داخل سورية، يتجاوز مسعى ربط لبنان بها مجرد تصدير المشكلة الى الخارج وحرف الاهتمام عن المشكلة الداخلية، الى جعل بلد الأرز جزءاً من هذه المشكلة.

لقد اتهمت دمشق أطرافاً لبنانيين بتمويل وتسليح مسلحين يطلقون النار خلال التظاهرات في سورية. كما تصدر اتهامات شبه رسمية الى هذه الأطراف باستمرار إرسال المسلحين، خصوصاً خلال المواجهات الدموية في تل كلخ ومساعي ربط «المسلحين» في هذه البلدة بتوأمها اللبناني وادي خالد. وإذا لم يصدق أحد أن «إمارة تل كلخ الإسلامية» أقيمت من أجل التواصل مع «إمارة» مماثلة على الحدود اللبنانية وفي شمال لبنان، فان الهدف الأبعد، في هذا الربط، جعل الدولة اللبنانية، عبر الجيش، طرفاً في المشكلة السورية الداخلية. والمنطقة الشمالية اللبنانية توفر عناصر مثل هذا الهدف. وتجربة مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين و «إمارة» شاكر العبسي فيه تؤكد وجود مثل هذه العناصر وتوريط الجيش اللبناني في معركة دموية لم يتمكن حتى الآن من امتصاص آثارها.

قد تكون في لبنان شخصيات وأحزاب صغيرة اعتاشت من النفوذ السوري ومستعدة لكل ما تؤمر به من أجل الحفاظ على مكتسباتها، بما في ذلك اللجوء الى تفجير الوضع الأمني، ونقل الاهتمام العربي والدولي الى الوضع اللبناني وحرفه عن الداخل السوري. لكن الجمود الذي يشهده تشكيل الحكومة اللبنانية يعبر عمّا هو أعمق من ذلك بكثير. إذ يطاول دور المؤسسات الدستورية واستبداله بمعادلة جديدة ترسخ تغييراً جوهرياً في طبيعة النظام اللبناني، بما هو نظام توافق بين مكونات الوطن وطوائفه. وهذا هو جوهر المشكلة الداخلية السورية التي تستقطب الشعارات في التظاهرات الاحتجاجية ومطالب الأحزاب والشخصيات المعارضة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل