#adsense

حول خطاب أوباما

حجم الخط

"فلسطين جنة الله في الأرض، فلسطين دار الحياة والأمل، فلسطين قلب العالم، فلسطين بداية لا نهاية
"سعد ياغي"

في حوار قديم مع إحدى الديبلوماسيات في السفارة الأميركية في بيروت حول مسألة حماية الولايات المتحدة الأميركية لاسرائيل، قالت الديبلوماسية: "بغض النظر عن رأيي في المسألة وقناعاتي بأحقية القضية الفلسطينية فهناك في سياسة بلادي نقطة عمياء (Blind spot) اسمها دعم اسرائيل".

مع وصول الرئيس اوباما الى الرئاسة الأميركية، خيل الينا بأن نفساً جديداً قد يكون حل على الادارة الاميركية وقد يكون معبراً عن تغيير استراتيجي في سياساتها حول الشرق الأوسط. وبعد رسالة اوباما الى العالم الاسلامي من جامعة القاهرة التي وصفت بـ"البداية الجديدة"، دعيت مجموعة من السياسيين لنقاش الرسالة في منزل السفيرة الأميركية السابقة، وقد أجمع كل الحاضرين على فاتحة البداية الجديدة للادارة الأميركية للمصالحة مع العالم العربي والاسلامي هي بالتزام حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية بناء على التسويات المطروحة في قرارات الأمم المتحدة وأولها حق العودة والانسحاب الى حدود سنة 1967.

لم تطل موجة التفاؤل الى فترة قصيرة، خصوصاً بعد المواقف الاسرائيلية الرافضة لكل الحلول المقبولة، والرافضة أصلاً لكل الحلول، لأن غلاتهم يأملون بأن الوقت سيؤدي حتماً الى تآكل قضية فلسطين الى ان تندثر في النهاية بحكم الأمر الواقع الذي تفرضه سياسة الاستيطان والتضييق والحصار والتيئيس، وفي ظل الضعف والانقسام العربي، وفي ظل الانقسام الدموي الفلسطيني، ولكن التفاؤل تحول الى يأس في ظل المواقف الشديدة الميوعة من قبل الادارة الاميركية تجاه التعنت الاسرائيلي في مواجهة طروح تسويات هي في الأساس بعيدة كل البعد عن العدالة بالنسبة للفلسطينيين وبالنسبة حتى للمعايير الانسانية العامة، وطبعاً فان كل هذه الطروح كانت مرفوضة فلسطينياً ولأسباب منطقية.

عندما كنا في سنوات المراهقة السياسية، كنا نقسم العالم على طريقة بن لادن، اي "بين فسطاطين"، واحد يمثل الشر المطلق تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية ويضم كل ما كنا ندعوه بالامبريالية والدول الرأسمالية ودول الرجعية العربية وغيرها من الدول التابعة والنابعة سلطتها من دعم المخابرات الاميركية.

والآخر كان يمثل الخير المطلق يتزعمه الاتحاد السوفياتي ويضم منظومة الدول الاشتراكية والدول الثورية والدول التي كانت تدعى "بذات توجه غير رأسمالي" وكانت تضم بعض الديكتاتوريات ذات الشعارات القومية والاشتراكية ومن ضمنها الديكاتوريات التي تتساقط تباعاً في هذه الأيام.

لم تكن مراهقتنا يومها تسمح بالبحث في التفاصيل أو نقاش الأمور بشكل موضوعي، فكل ما هو اميركي كان امبريالياً، مع ان معظمنا كان يلبس الجينز أو يدخن انتاج الرأسمالية أو يشرب الكوكا كولا. ولكن عندما كان يأتي الحديث عن مبدأ الحريات العامة والديموقراطية وحقوق الانسان، فقد كنا نعتبرها مؤامرات تستعملها الامبريالية للنيل من معنويات "مجتمعاتنا الثورية".

لقد لزمتنا عدة عقود لنكبر على مراهقتنا بعد ان سقط حائط برلين، وانفتح العالم على بعضه وأصبح من الممكن للبعض منا ان يحكّم عقله وان يستشير ضميره خارج اطار الأفكار المسبقة والتصنيفات الجاهزة. عندها فقط بدأنا نفهم ان الحرية وكرامة الانسان أهم من الشعارات التي كان يستعملها طغاة العالم لتغطية استباحة حياة مواطنيهم وحريتهم وكرامتهم.

عندها بدأ بعضنا يرفض التصنيفات الجاهزة ولم يعد في قاموسنا ما هو شر مطلق او خير مطلق، وصرنا نرى الأمور بأنها نسبية ومسألة وجهة نظر، وأن الخطأ والصواب يعتمدان على الزاوية التي ينظر كل فرد منا الى الموضوع، بكل ما فينا من افكار مسبقة وتجارب والتزامات وانتماء والى ما هنالك من تلاوين. عندها فقط اصبحنا نفهم وجهات النظر دون ان نتهم من يخالفنا الرأي بالخائن أو العميل أو الكافر.
اقول بعضنا اصبح هكذا لأن البعض الآخر بقي يعيش المراهقة السياسية وما زال يعتبر قول الحق باطلاً اذا قاله العدو ويقبل الباطل على اساس انه حق ممن يعتبره حليفاً.

بصراحة، ومنذ زمن طويل، لم اعد أرى في الولايات المتحدة الشيطان الأكبر، لأنني رأيت الشياطين منتشرة في كل المعسكرات، ومع ذلك، ومع احترامي لكثير من المواقف والتصريحات التي تصدر عن المسؤولين الأميركيين بخصوص الحرية وحقوق الانسان، فما زلت احاذر تسمية نفسي كصديق للولايات المتحدة الأميركية لأن القضية الاساسية التي كانت ولا تزال تمنع بناء الثقة مع ادارتها هي قضية فلسطين.ولو قام اي باحث في شكل علمي وتاريخي وانساني ومتجرد بشرح قضية فلسطين لكانت النتيجة بأنها أرض اغتصبت من سكانها ومالكيها الحقيقيين عن طريق التآمر والاكراه، ولكان الاستنتاج البسيط هو ان الحق يجب ان يعود لأصحابه.

ولكن الواقعية القسرية دفعتنا الى قبول التسوية على مضض بناء على القرارات، التي هي اصلا غير عادلة، لتقسيم فلسطين وحق العودة وحدود السابع من حزيران المتمثلة بقراري مجلس الأمن 194 و242، ومع ذلك فقد رضي القتيل ولم يرض القاتل. فقد قاومت اسرائيل بدعم اميركي مفتوح كل مشاريع التسوية المتفق عليها دولياً. وبصراحة نحن لا نفهم كيف تنفرد الولايات المتحدة بفرض العقوبات السياسية والاقتصادية والعسكرية الفعالة والموجعة على الكثير ممن خالفوا سياساتها، وترفض في الوقت نفسه الضغط على اسرائيل، ولو بشكل رمزي، لقبول تسويات هي اصلا ظالمة بحق الفلسطينيين، لذلك فمع ترحيبنا بما قاله الرئيس اوباما حول دولة فلسطينية بحدود 1967 فان آليات الضغط على اسرائيل بقيت غائبة عن الخطاب ولم يتردد رئيس وزرائها في رفض هذا الطرح جملة وتفصيلاً.

لذلك، وبغياب الآليات التنفيذية المعلنة، فانه من المنطقي التعامل مع خطاب الرئيس الأميركي الأخير على اساس انه للدعاية الاعلامية لا اكثر ولا اقل، خصوصا اذا ما بنينا على التجارب مع تصرفات الادارات الأميركية المتعاقبة. وبصراحة فقد وصل الكثير منا الى القناعة بأن الادارة الأميركية الحقيقية والمتمثلة بمراكز القوى لا ترغب بأي حل للقضية الفلسطينية، وهي تريد ان تبقي النزاع قائماً لتشغل شعوب المنطقة ودولتها عن مواكبة الانماء والحداثة حتى تبقى تحت السيطرة الى حين ينضب النفط، وقد تنتهي حينها مهمة اسرائيل.

ولا شك بالنسبة الي بأن الولايات المتحدة واسرائيل، ومدعي الممانعة وغلاة التطرف، متفقون جميعاً على استمرار الصراع كل بناء على أهدافه الخاصة، ولكن، وبالمحصلة فكل منهم يستفيد من مواقف الآخر ليبني عليها مواقفه في وقت تتساقط فيه الضحايا بالآلاف للاسباب نفسها ولكن تحت شعارات متناقضة.

ولكن أكثر المستفيدين من هذا الموقف الأميركي من اسرائيل هم طغاة المنطقة ومتطرفوها لأنهم، وعن حق، اقنعونا بأن كل احاديث الولايات المتحدة عن الحرية والحق والعدالة ما هي الا انواع من النفاق مما يضع اصدقاء اميركا في منطقتنا في موقف حرج، لذلك، فالى حين نرى موقفا اميركيا حازما الى جانب الحق الفلسطيني من خلال مواجهة التعنت الاسرائيلي بشكل فعال، تبقى مسألة الصداقة لأميركا تهمة منطقية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل