#adsense

التغيير والتحديات في العالم العربي: بعد مصر… ماذا عن سوريا؟ (الجزء الخامس – بقلم ميشال أنيس سماحة)

حجم الخط

منذ اندلاع ثورة تونس، والصحافة العربية تنضح بتحليل للحوادث، لكن مع الأسف فإن أكثرية المقالات كانت تهدف إلى قراءات منحازة تقوم على اسقاطات الغاية منها تجيير ما يحدث سياسيا باتجاه حزبي وفؤوي ضيق بعيد عن الموضوعية، أو من خلال قراءات تحليلية قديمة وبالية.

باختصار إن ما يحدث، من انفجارات وانتفاضات، تكمن أهميته بأنه حدث سياسي ووطني بامتياز. لم تحركه الشعارات الإيديولوجية المافوق-قومية (Supranationale) التي سيطرت على الساحة السياسية العربية (الإشتراكية، القومية، الإسلاموية) بما يشبه (La fin des grands récits- Althusser ) فكانت شعارات الثورات هي الحرية، الديمقراطية، العدالة الإجتماعية، حقوق الانسان، محاربة الفساد والإضطهاد، الى آخره. هذا لا يعني أن المشاعر الوحدوية العربية وقضية فلسطين سقطت من وجدان الجماهير أو انها لن تكون على أجندات السلطات المستقبلية (ولو بشكل مختلف تماما)، إلا أنها لم تكن لا المفجر ولا المحرك ولا القبلة، وهذا في حد ذاته مليء بالدلالات.
هذه القراءات المنحازة والمؤدلجة (بالمعنى السلبي للمصطلح) هي نفس القراءات والرؤى التي حملتها قوى المعارضة العربية أيضا والتي لم تستطع إحداث تغيير على مر 40 عاما. وهي نفسها الشعارات التي تستعملها الأنظمة الحالية الآن لتجيير الحوادث لمصلحتها. فالإيديولوجيا هنا عند المعارضة والسلطة معا، ليست نظام نسق من الأفكار حول المجتمع بكل جوانبه، وإنما هي إسقاطات فوقية على الناس لمنعهم من التفكير وقولبتهم بقوالب جامدة ليس لها علاقة بواقعهم المعيوش(L’idéologie c’est ce qui pense à votre place. Jean-François Ravel).

اذا فما يحدث في العالم العربي بعيدا كلّ البعد عن إشكاليّات الصّراع العربي الإسرائيلي والقضيّة الفلسطينيّة. فالعالم العربي، بدوله وشعوبه، اصبح يتعامل مع إسرائيل على أنّها أمرٌ واقع لا رجوع فيه الى واقع ما قبل 1948 (Irréversible). كما وساهمت العولمة والقنوات الأخبارية مثل الجزيرة (في بداياتها) على التّطبيع غير المباشر من خلال البثّ مباشرةً من إسرائيل وإقامة حواراتٍ مع شخصيّاتٍ إسرائيليّة، وهذا ما كان يشكّل محرّماتٍ سابقًا. فأمام التّخلّف والتّسلّط و"التّجارة" بالقضيّة الفلسطينيّة، شهدت قضية فلسطين تراجعًا في الوجدان العربي وأولويّاته، إضافةً إلى اعتراف شعبي ضمني (Intériorisation) بفشل الحلم الوحدوي العربي ومشروع استعادة فلسطين. فرغم الإختلاف من قطرٍ إلى آخر، إلا أنّ الثّورات والإنفجارات الحاصلة هي ديمقراطيّة بمضامينها، تشمل مختلف شرائح الشّعب وتيّاراته الفكريّة، كاسرة بذلك مفهوم "الإستثناء العربي" (المستعمل ضمنا من قبل الأنظمة وجهارا من قبل بعض المحافظين في الغرب).

هذه الثّورات لم تكن لتتحقّق لولا اجتماع ثلاثة معطيات أساسيّة:

أولا: تغير التّركيبة الدّيمغرافيّة وطغيان سمة الشّبابيّة على المجتمعات العربيّة. تغيّر أحدث قطع بين "الخطابات" الإيديولوجيّة السّابقة واهتمامات وتطلّعات الشّباب الجديد الأكثر حسية.
ثانيًا: دخول المجتمعات العربيّة بقوّة في السّنوات العشر الأخيرة عصر العولمة والإتّصالات وفضاء التّكنولوجيّات الحديثة. ممّا سمح للشّعوب بمعرفة ما يحصل في العالم (رغم كلّ التّحريض على الآخر والغرب) وإقامة مقارنات حثَية سمحت لها ببناء وعي ذاتي غير مؤدلج طامح للتغيير. فجاءت الشبكة العنكابوتية لتساعده في تنظيم نفسه من خارج الأطر السياسية والحزبية السائدة.
ثالثا: لعبت الطبقة الوسطى دورا مركزيا في انطلاق هذه الثورات. هذه الطبقة الوسطى المهددة (Déclassement) والتي تمتلك رأسمالا اجتماعيا وثقافيا مكنها من تحسس المخاطر الوطنية واستشعارها لانسداد الأفق والأمل، فقامت بلعب دور الصاعق والمفجر لعملية التغيير. فحالة التخلف المجتمعية معطوفة على صعوبة الهجرة بسبب الأزمات الإقتصادية العالمية، بالإضافة إلى التهديد الذي تمثله النخب الجديدة المسقطة من النظام والمتعاملة معه (نخب حزبية فاسدة وقليلة التعلّم في أكثر الأحيان)، كل ذلك أشعر الطبقة الوسطى والشباب المتعلًم بتقلص هامش المناورة ودفعهما الى لعب دور ثوري وتغييري متخطين بذلك الإنقسامات العمودية والتقسيمات الإيديولوجية.

فالتغيرات بين عالم الريف وعالم المدينة (Mouvement d’Urbanisation/et de Rurbanisation) والتزايد السكاني قلًصا القاعدة المستفيدة من النظام الحالي، بخاصة ان الأنظمة التسلَطية كثيرا ما تكون غير قادرة على تجديد نخبها (Reproduction) وشرعياتها إلا من خلال مزيد من التسلَط يهدف إلى استبدال النخب الحقيقية والطبقات الوسطى المدنية (Relégation) بنخب حزبية فاسدة.

فأكثرية البلدان العربية نجحت بنسب متفاوتة في مركزة جميع السلطات (Monopolisation des pouvoirs)، مقيمين بذلك مركزا للتسلَط على كل جوانب الحياة (Le Concept Panopticon de Michel Foucault)، مركَز عصيَ على أي إصلاح وبنية سلطوية مقطوعة عن القاعدة الشعبية العريضة ولا تمثلها.

في مصر مثلا، ذات النظام النصف تسلطي، كانت التناقضات والمشاكل ظاهرة أكثر للعيان مما هي الحال في سوريا. فكلما زاد الاستبداد والتسلط، كلما طمست التناقضات وأجلت الانفجارات. فالديكتاتوريات لا يمكنها الغاء التناقضات ولا تقبل التعددية، فتعمد على طمسها من خلال بروباغندا تظهر توحد الشعب تحت راية القائد الملهم والموجه وحامي الوطن. من هنا جاءت الثورات تعددية وديمقراطية، تمثل الغنى والتنوع الفكري والثقافي لمجتمعاتنا، منسجمة في ما بينها من أجل تخطي التسلط والقولبة والإستئثار. وعلى عكس الانقلابات التي كانت تضع يدها على الاذاعة والتلفزيون (السلطة الضرورية لصياغة الرأي العام)، جاءت التحركات الشعبية لتحتل الساحات بكل ابعادها الرمزية (Agora/Place publique)، معبرة بذلك عن مطالب الحرية وحاجة الناس إلى الالتقاء والتجمع والتعبير العام، منفتحة على الإختلاف والتنوع وقبول الآخر.

التحدًيات أمام حركات التغيير: مثال مصر وسوريا
من أولى التحديات للثورة المصرية هي قدرتها على تحديث الدولة وصياغة دستور جديد يضع إطارا واضحا لممارسة السلطة وتداولها، بالإضافة إلى خلق إجماعات وطنية لوضع رؤى واستراتيجيات للرد على التحديات التي تواجهها مصر وأهمها: الأمن الغذائي، النيل ومنابعه، العلاقة مع السودان، الوحدة الوطنية، العدالة الإجتماعية، إستقلالية القرار المصري وادارة اتفاقية كامب دايفيد، موقع مصر الجيوسياسي، الطاقة، التزايد السكاني، الإصلاح الاداري ودور الجيش في الحياة العامة.

أما في سوريا، فالمهمات والتحديات التي يجب على حركة التغيير أن تأخذها على عاتقها، فهي أصعب وأعقد مما هي الحال عليه في مصر.
على سوريا بناء الدولة وليس فقط إعادة انتاج للسلطة. دولة تعبر عن تاريخ وحاضر وتنوع سوريا، متصالحة مع نفسها ومع محيطها، لها دستورها وإدارتها وسيادتها ونخبها ورؤاها. دولة تعيد تركيب اللحمة الوطنية (Cohésion sociale) وابتكار عقد اجتماعي جديد بين أبناء الوطن الواحد، وذلك من خلال:

أ- صياغة دستور جديد لدولة عصرية حديثة وديمقراطية (بالطبع إلغاء حال الطوارئ والمادة الثانية المتعلقة بحزب "البعث").

ب- إطلاق الحياة السياسية والإعلامية والدعوة إلى المصالحة الشاملة، يليها انتخابات لأعادة انتاج السلطة.

ج- الاجتماع حول رؤية اقتصادية بعيدة المدى للتعويض عن التأخير والإخفاقات من أجل تقليص التفاوتات وبناء عدالة اجتماعية ووضع اسس اقتصاد قادر على تلبية تطلعات الشباب وامتصاص التزايد السكاني من خلال جذب الأستثمارات وخلق فرص عمل.

د- تثبيت سيادة الدولة من خلال: استعادة الجولان، ترسيم الحدود مع لبنان والاردن والعراق، وإقامة استفتاء حول لواء الاسكندرون، وفتح حوار عميق وصريح مع الاكراد.

ه- العمل على ايجاد استقرار داخلي حقيقي (وليس شكلي، قائم على الديمقراطية وتداول السلطة) ورؤية جيوسياسية واضحة تهدف إلى لعب دور إيجابي وبنَاء في الإقليم، دور يساعد على بناء منطقة مستقرة فعلا، وذلك من خلال رؤية استراتيجية تقوم على تقوية الإجماع العربي والعمل والتنسيق مع الدول المحيطة وخاصة تركيا (على حساب علاقتها الحالية مع ايران التي بدأت تنعكس سلبا عليها وعلى الدول العربية).

خاتمة:

نجحت الثورة في مصر ونشهد اليوم المسار التغييري الذي تتخذه الحوادث. فكيف سيكون التغيير في سوريا؟
برأيي هناك اربعة سيناريوهات ممكنة:

الأول: محاولة نظام الأسد المناورة والامتناع عن الاصلاح الجدي والحقيقي، واللعب على التناقضات والتلويح بهز الاستقرار وزيادة التسلط، تزامنا مع تواطئ دولي. في هذه الحال ستكون مسيرة التغيير طويلة وعنيفة وجذرية. لكنها ستنجح في النهاية ولو بعد حين.

الثاني: إمكان أن يقرأ النظام اللحظة التاريخية قراءة صحيحة، وأن يقوم بإصلاحات حقيقية وشاملة، تمهد لإنتخابات رئاسية وبرلمانية حرة على أساس دستور جديد، يعاد في خلالها صياغة السلطة والدولة (شخصيا أجد هذا السيناريو مستبعدا، لأنه سيؤدي إلى تغيير في كل الأحوال، من خلال ضرب مراكز القوة والسلطة الحاكمة).

الثالث: هذا السيناريو محكوم أكثر بالعوامل الخارجية وقدرة المعارضة والشعب على تغيير المواقف الدولية وكسب الراي العام الشعبي العربي والدولي (إذا وقفت الدول العربية والاجنبية متفرجة أو متواطئة على الإحتجاجات الشعبية وهي تقمع ولم تساعد على وضع آلية انتقالية للتغيير) يكون على المعارضة السورية والشعب السوري فيه تقديم تضحيات كبيرة والمراهنة على النضال السلمي لأنتزاع مكاسب تدريجية تصدع النظام التسلطي وتضعفه ساعية إلى تغيير في المعادلات الإقليمية والدولية تحد من تسلط النظام وتقوم بالظغط عليه من أجل الذهاب الى الأصلاحات.

الرابع: أن تعمد بعض مراكز السلطة على اشعال فتنة داخلية وتقسيم الشعب السوري وهز الأستقرار في لبنان والمنطقة. في هذه الحال، على القيادات التنبه والتمسك أكثر بالنضال السلمي وعدم الأنجرار للرد على العنف بالعنف. في هذه الحل تكون السلطة تخلت عن دورها الأقليمي فتخسر بذلك غطاءها الدولي. فتكون المنطقة أمام احتمالات حرب أقليمية.

في كل الحالات، على القيادات التغيرية أن تخرج الشعب السوري من وهم حالة الأستقرار النسبية التي يعيشها مقارنة مع محيطه، وأن لا يقبل هذا الأبتزاز.
فأي سيناريو ستسلكه سوريا يا ترى؟ وماذا عن بقية الدول العربية؟
 

لقراءة الجزء الأول اضغط هنا


لقراءة الجزء الثاني اضغط هنا


لقراءة الجزء الثالث اضغط هنا


لقراءة الجزء الرابع اضغط هنا


(ملاحظة: كتبت هذه المجموعة من المقالات خلال شهر شباط 2011)

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل