الشعب اللبناني، نصفه على الأقل، لا يحتاج إلى شهادة إثبات تؤكد دعمه للشعب السوري في مواجهة نظامه.
النظام الذي ثار عليه اللبنانيون ونزلوا إلى الشوارع بمئات الآلاف مطالبين بخروج قواته ومخابراته من بلدهم، هو النظام نفسه الذي يثور السوريون عليه اليوم، أو لنقول: بعضهم على الأقل، تماشيا مع رغبة بعض اللبنانيين في تصديق الدعاية السورية الرسمية.
والحال، فان اللبنانيين اختبروا جزءا يسيرا مما يعانيه الشعب السوري منذ عقود وليسوا في حاجة لشرح طويل.
مع ذلك، ومع أن الشعب اللبناني لا يحتاج شهادة إثبات تؤكد دعمه تطلعات الشعب السوري نحو الحرية، إلا أن ما جرى من مطاردة للقاء التضامني مع الشعب السوري من مكان إلى مكان، إلى أن حط به الرحال في مستودع مبنى قيد الإنشاء يحتاج إلى التأمل والتفكر والتنديد.
أن يمنع ناشطون من التضامن مع الشعب السوري في لبنان، ليس أمرا يتعلق برغبة لبنانية في عدم التدخل في الشأن السوري. الأمر يتعلق أولا وآخرا بالعفن الذي يعشعش في البلد من أقصاه إلى أقصاه. واول هذا العفن يبدأ مع الناشطين انفسهم الذين لم يتحملوا لحظة مواجهة واحدة مع عسس وموالي النظام السوري عندنا . فما ان هددوا حتى انسحبوا وعملوا على قاعدة "كفى الله المؤمنين شر القتال".
العفن نفسه الذي دفع المصريين والتونسيين والليبيين واليمنيين إلى المطالبة بإسقاط النظام. وهو العفن نفسه الذي اتسم به الخطاب السوري الرسمي منذ الأزل وإلى الأبد و"ما بعد الأبد"، وحوكم معارضون على أساس إيهانه، في حين لا يحاكم ابن خال الرئيس الأسد الذي يعلن أن استقرار إسرائيل من استقرار سوريا، على نحو ما يعلن وئام وهاب أن استقرار لبنان من استقرار سوريا، وفي هذا إيهان لنفسية الأمة ما بعده إيهان.
وهو العفن الذي يمنع الناس من التعبير عن نفسهم تحت طائلة التهديد البلطجي سيواجه آجلا أم عاجلا بتظاهرات حاشدة ترفع شعارات من قبيل: الشعب يريد إسقاط بلطجية السياسة، الذين يغيرون مواقفهم مثلما يغيرون ثيابهم ويكيلون حريات الشعوب وتطلعاتها بمكاييل لا حد لحصرها.
الشعب سيريد إسقاط البلطجة السياسية المدعومة بالسلاح، خصوصا لابسي السواد منهم في سورية ولبنان.
ليس المتضامنين مع الشعب السوري هم من قال: الشعبان اللبناني والسوري شعب واحد في دولتين.