ثمة محطات عابرة في حياتنا، وأخرى قد تترك أثراً ولكنه يتآكل بفعل صدأ الزمن، وقلة قليلة هي المحطات المفصلية الراسخة في الوجدان والدامغة في تكوين شخصيتنا. وقد شكلت يا رمزي إحدى هذه المحطات المشرقة في حياتنا.
عشنا معاً فرح النضال، وكان منزل "تانت إيميه" في الاشرفية ثم منزلك وجيسي في المنصورية قبل أن تستقرا في عوكر حضناً دافئا لمقاومتنا. نفرح عندما ننجح بخرق جدار سطوة النظام الامني المجرم يومها فنرفع صورة للحكيم عند عودة البطريرك صفير من الخارج، او يافطة لدى إستقبال الباب الطوباوي يوحنا بولس الثاني، أو نصرخ بوجه رئيس فرنسا جاك شيراك أو…
نفرح عندما ننجح بمنع إلغاء الفروع الثانية في الجامعة اللبنانية أو عندما نقنع زميلاً لنا على مقعد الدراسة بصدقية قضيتنا وصوابية طروحاتنا، أو عندما نفوز في إنتخابات طالبية أتذكر حين فزنا بكلية الحقوق في الجامعة اللبنانية عام 1999 وكانت أول فوز للقوات في انتخابات طالبية وكرت بعدها السبحة – أذكرك مهرولاً لتمدنا بزجاجات "الشامبانيا" – وأُطمئنك ما زرعناه يومها متسلحين بنضالات الرفاق وتضحياتهم وفي طليعتهم الحكيم أثمر اليوم فوزاً في معظم الجامعات.
نفرح عندما يستطيع أحد من شبابناً تبوء مركز أو الدخول الى مؤسسات الدولة التي كانت محظورة على كفاءاتهم.
نفرح عندما إستطعنا أن نختلي بذخائر القديسة تريزيا الطفل يسوع لدى زيارتها الى لبنان، فكانت لنا معها ساعة صلاة في بازيليك سيدة لبنان في حريصا التي غصت بالرفاق، او حينا نجحنا في اعتصام عن الطعام في 21 نيسان 2002 وتحدينا جلادنا وإجتمعنا في حريصا ايضاً.
أما الحزن، فحضر مرات بسبب بعض الهفوات وتصرفات بعض ضعفاء النفوس أو بسبب مظالم أصابت شعبنا، ومرة فاقت كل المرات فإنقلب غضباً أحرق قلوبنا وأطفأ بالدمع عيوننا عندما عدت إلينا جثة في صندوق بعدما سكننا جنون القلق لدى إختفائك. ومرة أخرى ضاهتها غضباً، عند عودتنا من قداس الشهداء في ايليج في ايلول 2002 حين عمد عنصر من مخابرات الجيش عند أحد حواجز التفتيش الى تمزيق صورتك المرفوعة على زجاج إحدى السيارات. حزن ليس على صورتك المطبوعة في دنيا الخلود بين كوكبة من رفاقنا الشهداء بل على من حاولوا إزلال المؤسسة العسكرية بتصرفاتهم المشينة.
عشنا معاً خبرة الممارسة الديمقراطية حيث كانت إجتماعات دائرة الجامعة اللبنانية صاخبة نتواجه بالافكار ونتقارع بالحجج كما كنت تحب، لكل منا وجهة نظره ورأيه ولكن في النهاية يلتزم بقرار الجامعة بعيداً عن الحرد الذي لا يصيب إلا الضعفاء. وأبشرك أن هذا النموذج تعيشه اليوم "القوات اللبنانية" في مؤتمرها العام ونحن على أبواب ورشة فإما نؤسس حزباً للاجيال الآتية ونربح التحدي وإما نفرّط الأمانة التي صنعتموها بدمائكم.
حضيتنا على الانفتاح على الآخر، فشاركنا في خلوة مار أنطونيوس حريصا وهي الاولى بين مصلحتي طلاب "القوات" و"التيار"، ومعك صعدنا الى بعقلين في تموز 2001 حيث شاركنا في اللقاء الطالبي الذي اعدته منظمة الشباب التقدمي التي كان يرأسها النائب وائل أبو فاعور يومها، حيث حضر الشهيد سمير قصير محاضراً. خبرة لا تنسى، شعرنا اننا في كوكب آخر، يحدقون بنا ويتحسسوننا، فهي المرة الاولى التي يتحاور فيها الاشتراكي والشيوعي وشباب المستقبل مع شباب قواتي… وكما كانت دهشتنا كبيرة من نقمة هذه القواعد على الحكم القائم وغضبها على الاحتلال السوري.
معاً إكتسبنا الحنكة في صوغ التحالفات بعيداً عن المجاملات، ومعك إكتسبنا الحكمة في التعاطي الميداني، وأذكر جيداً خلال تجمعنا أمام قصر العدل في 9 من آب 2001 كيف طلبت منا أن نقف في المنطقة الفاصلة بين طرفي الطريق كوحدة متراصة ولا نسمح بغريب ان يندس بيننا بعدما لاحظت وجود محرضين يتسللون الى الجموع ويكيلون الشتائم يمنة ويسرة، فكنا نتمرس على الاندفاع وليس التهور… وبعده بأيام ومع خروج أول دفعة من الرفاق من المعتقلات سارعت الى دعوتنا لعقد لقاء علني في الـBurger king الزلقا قبل ان يستفيق مجتمعنا من صدمة حوادث 7 آب وفي وقت كنا نعامل كمصابين بالبرص السياسي…
وكم كنا نتمنى يا رمزي لو كنت معنا اليوم في حقبة البركان والزلزال، البركان القواتي الذي سيتفجر إندفاعة حزبية مع إقرار النظام الداخلي للحزب، والزلزال الديمقراطي الذي يضرب الانظمة القمعية البالية في المنطقة، وللاسف أولئك الذين كانوا يزايدون علينا بالصراخ في زمن الاحتلال السوري وبيع الخضر والكعك ولم نر لهم شهيدا، في حين كانت المعتقلات تضيق بشباب "القوات" ويستشهدون تحت التعذيب او في عمليات القمع وأنت الى جانب فوزي الراسي وجورج ديب ونعمة زيادة وبيار بولس خير دليل، أولائك انتهوا وكلاء دفاع عن نظام الاسد يبشروننا بحسناته وانفتاحه على شعبه "المعزز المكرم"، ويضعون رؤوسهم كنعامة في الرمال عبر شاشتهم المشرعة للتسويق ان الحياة طبيعية في سوق الحميدية وأن الطريق الى براد "سالكة وامنة".
رمزي ستبقى خبر عمر لنا مليئة بالبسمة والامل والحكمة والعمل والعنفوان والنضال بلا ملل.