#adsense

حكومة الانقاذ … لانقاذ من؟

حجم الخط

كتب شارل جبور: من يستمع إلى الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني لا يشعر بأن الرجل، أو هكذا يظهر أقله، قد استخلص العبر من الثورات العربية وآخرها في سوريا التي يواجه نظامها انتفاضة ما بعدها انتفاضة في الداخل وعزلة ما بعدها عزلة في الخارج، لا بل نراه يكابر مستعيدا أو مكررا كلام قديم يتعارض ويتناقض بشكل كلي وجوهري مع ما هو حاصل من تحولات كبرى في المنطقة بدءا من اعتباره أن "الخيار الصحيح والواقعي والعقلاني والمنطقي والمجدي والمنتج والموصل والمحقق للاهداف هو المقاومة الشعبية المسلحة وان الخيار العبثي وغير الواقعي والجنوني واللامنطقي والذي لا يوصل الى هدف بل الى "الشحادة" هو خيار المفاوضات"، مرورا برفعه مجموعة لاءات بوجه لاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على شاكلة "لا للتفاوض لا لوجود اسرائيل"، وصولا إلى رفضه حكومة التكنوقراط وتأكيده أن "الجهود ستستمر لتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة"، أي حكومة اللوان الواحد، وإعلانه بأنه "ليس في وارد الضغط على احد"، أي أنه ليس في وارد الضغط على النائب ميشال عون لخفض سقف شروطه أمام الرئيس المكلف، ما يؤشر الى أن أزمة التشكيل طويلة نظرا لارتباطها بالوضع السوري وأن عون مكلف من حزب الله تعبئة الوقت الضائع…

ولعل الهدف ليس تحليل كلام السيد نصرالله، إنما التأسيس على هذا الكلام للقول أن دعوة بعض القوى السياسية إلى حكومة انقاذ وطني ليست في محلها لجملة أسباب أهمها:

أولا: لأن السيد نصرالله ما زال مصرا ومتمسكا بحكومة اللوان الواحد، وهو يأمل في هذا السياق أن يتمكن النظام السوري من الحسم أمنيا في دمشق ليحسم سياسيا في بيروت.

ثانيا: لأن حكومات الإنقاذ تقوم على أجندة داخلية تحمل رؤية مشتركة لتمرير أو إخراج بلد معين من أزمة سياسية-وطنية مستفحلة ومستعصية ومعقدة، وليس هدف حكومات الانقاذ فصل الأمور الخلافية عن المسائل الحياتية.
ثالثا: لأن حزب الله ما زال متمسكا بسلاحه ودوره خارج الدولة وأطرها وبمنظومة ما يسمى الممانعة، كما تبدية الأولوية الإيرانية والسورية والايديولوجية على الأولوية اللبنانية.

رابعا: لأن حزب الله ما زال يعتبر المحكمة الدولية أداة إسرائيلية-أميركية وهو رافض التعامل معها والإقرار بنتائجها.

خامسا: لأن حزب الله لا يبدو في وارد الإقرار بفشل انقلابه نتيجة العوامل الخارجية المعلومة، أو الإقرار بالتحولات التاريخية في المنطقة، أو الاقتداء بحركة فتح بالعودة إلى المؤسسات في إطار شرعية وطنية واحدة.

سادسا: لأن حكومات ما يسمى بالوحدة الوطنية فشلت فشلا ذريعا ليس بعجزها عن معالجة القضايا الخلافية إنما عن معالجة القضايا الحياتية بسبب النهج التعطيلي للحزب، كما أظهرت هذه الحكومات أن المساكنة مع حزب يستقوي بسلاحه ولا يفوت فرصة أو مناسبة لخطف القرار الدولتي اللبناني غير ممكنة لا بل مستحيلة.

سابعا: لأن دخول 14 آذار في حكومة إنقاذية هو تراجع من قبلها عن ما كانت أعلنته برفضها المشاركة في أي حكومة لا يتضمن بيانها الوزاري إلغاء السلاح وتكريس المحكمة، خصوصا أن ما هو مطروح حكومة بشروط حزب الله لا بشروط الدولة، وستكون وظيفتها تكريس السلاح وإلغاء المحكمة عمليا.

لكل هذه الأسباب وغيرها لا مصلحة وطنية بالدعوة لحكومة إنقاذ، لأن أي حكومة من هذا النوع ستتحول مهمتها من إنقاذ البلد إلى إنقاذ حزب الله وتوفير الغطاء السياسي لمشروعه، هذا الغطاء الذي أقدم بنفسه على نزعه عبر إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، بينما على الحزب أن يتحمل وحده مسؤولية خطوته وتهوره لا مساعدته على الخروج من مأزقه وبشروطه، وبالتالي قبل أن يعلن بنفسه العودة إلى المشروع اللبناني الذي يضمن الغلبة للدولة ومشروعها وليس لأي فريق آخر تحت مسمى 14 أو 8 آذار، أي حكومة إنقاذية هي لإنقاذ حزب الله.

وبما أن أي اتفاق سياسي حول الدولة وتمكينها من ممارسة دورها وبسط سلطتها وسيادتها يبقى أمرا متعذرا، فإن خيار الحكومة الإنقاذية خيار ساقط، وهذا ما يجعل الخيارات في هذا المجال محصورة ومحدودة بين خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار الوضع الراهن (أي حكومة تصريف أعمال) إلى أن تنجلي الصورة الإقليمية وخاصة السورية مع كل ارتداداته على البلد وأهله، أو حكومة غير سياسية (تكنوقراط) مهمتها فقط متابعة قضايا الناس الحياتية. بيد أن شريطة قيام حكومة من هذا النوع موافقة وتأييد 8 و14 آذار، وأن تكون هذه الحكومة برئاسة شخصية من طبيعة هذه الحكومة وتكوينها، أي شخصية حيادية ولا تمت إلى العملية الانقلابية التي حصلت مع إسقاط حكومة الرئيس الحريري بصلة، بمعنى استبعاد الرئيس المكلف نجيب ميقاتي والإتيان بحكومة غير سياسية بوظيفتين: حياتية (متابعة أوضاع الناس وهمومهم المعيشية) وانتقالية (تشكل جسر العبور الآمن بين مرحلة وأخرى).

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل