اذا اراد اللبنانيون بناء مستقبل زاهر ومستقر، عليهم تشبع تاريخ لبنان، سواء على صعيد النشاط الفكري، المادي والانساني، لان لبنان في غابر الازمان كان افضل مما هو اليوم، والعرض السريع والمكثف لفترات انجاز واضح لا بد ان يكون ذا افادة.
خلال القرنين الاولين بعد الميلاد كانت بيروت عاصمة ادارية لمناطق تمتد من عكا في فلسطين حتى اللاذقية. وكان مرفأ بيروت يشهد حركة ناشطة بفضل موقعه على ما يشبه خليجا طبيعيا. وكانت بيروت المدينة التي تحتوي على ثاني او ثالث اهم معهد للحقوق في الامبرطورية الرومانية، وكان الطلاب يقصدون بيروت للانتساب الى هذا المعهد والتعمق في اسس التشريع والتفسير، من تركيا واليونان وسوريا وقبرص، وحتى من روما.
بيروت في تلك الحقبة كانت تسك النقود الذهبية لحفظ القيمة. وكان لبيروت مجلس بلدي ونظام ضريبي يفرض على التجار والمهنيين وحتى المزارعين بالنسبة الى المحاصيل التي تفيض عن حاجاتهم من الغذاء ويسوقونها، ضريبة بمعدل 12،5 في المئة من حجم الاعمال. واحتراماً للعلم والاساتذة لم يخضع المدرسون لاي ضريبة.
في تلك الازمان كانت بيروت تحتوي على المسارح وتمتد في جوانبها شوارع مستقيمة تربطها بالمناطق التي تتبادل مع بيروت المنتجات والمعارف، سواء من فلسطين او سوريا او ابعد من ذلك. وتوافرت المياه لبيروت بواسطة قنوات محفورة في الصخور، وكانت هناك حمامات للعامة يقصدونها للاستحمام.
وكان السكان خليطاً من البشر والانتماءات، فكان هنالك مسيحيون يخشون الافصاح عن انتسابهم بسبب قمع السلطات الرومانية المسيحيين، وكان هنالك عدد ملحوظ من اليهود، ومن عبدة الشمس، ومن غير المؤمنين بالاديان السماوية.
لقد ازدهرت بيروت في تلك الفترة من الزمن لانها كانت تتمتع بمرفأ متطور، وبنية تحتية مؤاتية، واستقرار نقدي، ومعاهد تعليم متقدمة في المنطقة، ومجلس ادارة محلي ناشط، وسلام واستقرار يعززهما وجود فيالق من الجيش الروماني، مهمتها المحافظة على الاستقرار الداخلي والتصدي لأي عدوان خارجي.
فترة الازدهار والاستقرار الثانية شهدها لبنان من القرن السابع عشر حتى اوائل القرن العشرين خلال فترة الحكم العثماني، على رغم احداث 1860 التي شهدت مذابح في الجبل وهجرة المسيحيين من الشوف الى بيروت وكسروان. فخلال تلك الفترة اعتبرت بيروت بمثابة عاصمة المتصرفية التي تمتد من عكا في الجنوب الى اللاذقية في الشمال، والسبب الرئيسي لاختيار بيروت كان موقعها على الشاطئ وتمتعها بمرفأ طبيعي يسمح بتطوير التجارة مع اوروبا. وكان من سكان بيروت عدد ملحوظ من التجار الايطاليين والبريطانيين ومن بعض الالمان الذين كانت لهم علاقات مميزة مع الاتراك.
وجاء في كتاب باتريك سيل عن رياض الصلح وكفاح العرب للاستقلال انه منذ 1830 انفتحت بيروت على التعامل الدولي فارتفع حجم البضائع المستوردة او المصدرة عبر المرفأ من 30 الف طن الى 600 الف طن عام 1860، وارتفع عدد سكان بيروت من 19000 عام 1846 الى 115000 عام 1893. ومنذ العام 1859 اصبحت بيروت مشبوكة تلغرافياً مع بقية العالم، واسواق بيروت اصبحت تفيض بكل المنتجات المستورد منها والمنتج محلياً، كما اصبحت مقصداً لاقامة التجار والقناصل الذين وفدوا لحماية مصالح مواطنيهم، واول مصرف فتح ابوابه في العالم العربي وجد في بيروت، كما طبعت الصحيفة الاولى باللغة العربية في بيروت عام 1858.
اضف الى كل ذلك تأثير انشاء الجامعة الاميركية عام 1866 والجامعة اليسوعية عام 1875، فأصبح لبنان يتمتع بجامعتين افترض تمتعهما بمستويات علمية متميزة، اضافة الى كلية للبنات اسستها مرسلة اميركية عام 1830 وقد اصبحت في ما بعد كلية بيروت الجامعية، وهي اليوم الجامعة اللبنانية الاميركية التي صارت صرحاً تعليمياً مهماً.
عام 1898 زار لبنان القيصر الالماني فيلهلم الثاني برفقة زوجته فوجد بيروت مدينة متمتعة بشوارع مرصفة، ومضاءة ليلاً بالغاز، وتزخر بالمدارس والجامعات والمستشفيات، والابنية الرسمية الملحوظة، وهذه انجز معظمها العثمانيون، كما وجد برج الساعة امام السرايا الذي لا يزال في مكانه وكان انجز للاحتفال بزيارته.
خلاصة مشاهداته لخصها القيصر الالماني بوصف بيروت بانها الدرة في تاج الامبراطورية العثمانية.
لقد تميزت بيروت خلال الفترة المشار اليها بكونها المرفأ الاساسي للمنطقة، والعاصمة الاهم للتعليم، ومنطلق المعاصرة في العلم، والتعليم، والنشر، والصيرفة. لقد كانت بيروت كما ارادها اهلها في عقد الستينات واوائل السبعينات من القرن الماضي.
بيروت في عهد الرئيس كميل شمعون تحولت تدريجاً الى علاقات اوثق مع بريطانيا والولايات المتحدة بصورة خاصة، ورياح الغرب جاءت بشركات النفط، والمصارف، وعائدات الترانزيت، وتوسع حركات النقل الجوي والبحري، وتعدد بيوت المشورة وازدياد عدد المصارف ومواردها، وتحسن سعر صرف الليرة تدريجاً، وتوثق علاقات لبنان مع دول مثل تركيا، والبرازيل. لكن الصدام وقع مع توجهات الرئيس جمال عبد الناصر، فكانت ثورة 1958 التي انتهت بالانزال الاميركي في شهر تموز من ذلك العام وانتخاب الرئيس فؤاد شهاب لتولي قيادة لبنان.
فؤاد شهاب كان رجل مؤسسات، وقد بدأ يرسخ الدولة على اسس حديثة مستقاة من المنهج الاصلاحي الفرنسي، وهو حافظ على الهدوء بين اللبنانيين عن سبيل تطوير الثقة مع الحكم المصري الذي كان تمدد الى سوريا ما بين العامين 1958 و1961 تاريخ الانفصال. ولا شك في ان انشغال عبد الناصر بالشأن السوري ابعده عن التدخل في لبنان خلال العهد الشهابي، خصوصا وان الثقة استمرت بين الرجلين.
الفترة ما بين 1952 تاريخ انتخاب الرئيس شمعون، واواسط الستينات أي بعد انتهاء رئاسة الرئيس شهاب وقبيل بدء الصدامات مع الفلسطينيين، كانت الفترة الذهبية في نمو لبنان الحديث.
خلال تلك الفترة اصبحت بيروت المركز التجاري والمالي الاهم في المنطقة، واكتسب النقد اللبناني مناعة وقوة، وارتفعت احتياطات لبنان من الذهب، وتأسس المصرف المركزي، والكثير من اجهزة الرقابة واكتسب لبنان صفة الدولة الحديثة، واستطاع خريجو الجامعات الانضمام الى المؤسسات الناجحة.
اذا نظرنا اليوم الى وضعنا المتأزم اقتصادياً الى حد اقل من التأزم السياسي، ماذا نرى بالمقارنة مع الفترات الثلاث المشار اليها من الازدهار في بيروت ولبنان؟
العنصر الوحيد المفقود هو السلطة الفاعلة والمنزهة لتكون هي الرابط بين مصالح اللبنانيين. هذه السلطة ما دامت غائبة قد تحول دون نجاحنا في التغلب على الاوضاع الخانقة، ولنا من التاريخ القديم والحديث دروس.