عملا بالقاعدة الذهبية التي يتقنها اللبنانيون ظهرا عن قلب في الازمات وهي ان الكحل احلى من العمى، يمكن القول ان الموجة الثالثة من مخاض الازمة الحكومية ستكون اطول من سابقتيها في التكليف ومن ثم الاختناق بالتأليف.
ذلك ان المناسبة الثلاثية لتزامن انتصاف الولاية الرئاسية وذكرى التحرير ودخول الازمة الحكومية شهرها الخامس افضت الى تثبيت وقائع لم تكن مفاجئة على الاطلاق ولكن يمكن اجمال خلاصاتها بانها اعلنت للبنانيين الشعار السحري وهو التكيف الطويل مع الانتظار بالحد العالي من اكلافه بديلا من أي طارئ آخر اشد خطورة في هذه الاكلاف.
والواضح ان هذه الخلاصات ربطت الوضع اللبناني برمته ببعدين كبيرين هما تأثير الازمة السورية على الازمة الحكومية بكل تفاعلاتها والتصعيد في مأزق العقد الداخلية الذي تطور الى مرحلة تجاوزت الخلافات على الحقائب والحصص الى المس بحساسيات طائفية.
في الجانب الاول يمكن ولو بشق النفس تلمس نقطة ايجابية تمثلت للمرة الاولى علنا في مبدأ "شبه توافقي" بين القوى السياسية هو التزام عدم التدخل في الازمة السورية. وهو مبدأ تعلنه تكرارا قوى 14 آذار واعلنه السيد حسن نصر الله في ذكرى التحرير. لنقل ان هذه الناحية، على الاختلاف الطبيعي في التعبير عنها نظرا الى موقف كل من المعسكرين من النظام السوري، تشكل تطورا يتسم باهمية لجهة وضع اطار مبدئي طويل المدى للتعامل مع الازمة السورية على قاعدة عدم التدخل فيها مع حفظ حقوق كل القوى في التعبير السياسي المشروع عل هذا المبدأ يصبح حزام الامان المطلوب للحؤول دون تدفق الانعكاسات المخيفة المحتملة لاي انزلاقات متبادلة بين لبنان وسوريا . وفي ذلك يكون التزام عدم التدخل عنوانا واقعيا للتكيف مع انتظار وجهة الحدث السوري الذي يستحيل بناء أي حسابات مسبقة ومتسرعة حياله.
اما في الجانب الداخلي فيبدو اننا امام ملامح حرب باردة تتشظى في اتجاهات مختلفة. هناك اولا تقاطع مصالح اكراهي ورضائي على تطويل الازمة يستند الى تطبيع مفهوم ازمات التأليف كأمر واقع من مكونات الواقع السياسي الداخلي. ثم ان هناك تطورا شديد السلبية بدأ يلوح مع تصاعد التوتر بين العماد ميشال عون والطائفة السنية في ضوء الرد الشديد الحدة للمفتي محمد رشيد قباني على مواقف منسوبة الى عون من الطائفة وانفجار الخلاف والصراع في مسألة الاتصالات مجددا. وفي مجمل هذه الخلاصات اقل المتوقع ان يكون لبنان امام حدين لازمته: التكيف البارد ما امكن مع مجريات الدومينو العربي ولا سيما منه السوري. والتكيف الساخن مع تفاعل التناقضات السياسية والطائفية والمذهبية الداخلية. والاهم في الابحار بين هذين الحدين هو التمكن من ضبط الكلفة عند حدود تمنع تفتق حزام الامان.