#adsense

هل سيبقى نجاد “رؤى الأمم”؟

حجم الخط

"وسام النصر من وطني، عرين المجد والأسد سنهديه لكم حباً… وفاء يا نهى الكرم أيا ابن القائد الأعلى، وريث الراحل الأغلى خميني التقى صدقا… على الأعداء كالحمم نجاد يا رؤى الأمم كنسر دمت في القمم". (فرقة الولاية للأناشيد الحماسية التابعة لحزب الله أثناء استقبال محمود أحمدي نجاد في لبنان).

حضارة الشرق الأوسط
على الرغم من ادعاء بعض شعوب الشرق بالتفرّد في العراقة والامتياز في الحضارة، ولكن التشابه في ردات الفعل بين شعوبنا تؤكد على أننا تشربنا الاخلاق والمبادئ من منبع واحد سبق على الأرجح حتى وجود الأديان السماوية.

بالمحصلة فالقضية تتعلّق بنظرة الاتباع الى القائد، وبما أن هذه الأرض اعتبرت أرض الأنبياء، فإن معظم القادة وأصحاب العروش وحتى من يتم انتخابهم استثناء من قبل هيئات ناخبة، يصبحون مباشرة بعد توليهم المسؤولية نوعاً من الأنبياء، وفي بعض الأحيان صنفاً من الآلهة. لذلك فلا يجب أن نستغرب اعتقاد بعضهم بأنهم باقون الى الأبد وما بعد الأبد، أو أن يصف آخرون أنفسهم بالمقدّس، أو أن يطلق الجمهور صفة الزعيم الخالد على بعضهم. ففي الشرق لا وجود لأنصاف الحلول، فالقائد يفقد مباشرة صفته البشرية، وبالتالي الخصائل الإنسانية ليصبح في مرتبة فوق الطبيعة حاملاً معها قدرات سحرية.

وغالباً ما يقع القائد ضحية اللعبة المزدوجة التي قد تمارس عليه من قِبَل الحاشية المتزلّفة من جهة ومن قِبَل الجماهير المأخوذة بشخصه، فيصدق هو نفسه بأن لديه صفات خارقة وبأنه هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الأمة، وأنه بدونه في سدة الحكم سوف يضيع الوطن وتصاب الجماهير باليتم لأنها ستفقد الأب الحنون!

لذلك، وبناء على ما تقدم، فلا يجب أن يستغرب بعض المثقفين، "المتأثرين طبعاً بسموم ثقافة الغرب"، كيف يسوغ الحاكم لنفسه أن يدفع بقواه الأمنية لقتل المئات، بل حتى الآلاف من المواطنين دفاعاً عن الحكم وعن النظام. على هذا الأساس أيضاً فإن معارضة القائد غير مسموحة وتعتبر خيانة في حق الأمة لأن عصيان "الأب" هو نوع من المحرمات.

ما هو الوضع في إيران؟
في إيران اليوم، لا يخرج الأمر عن هذا الواقع، فعلى الرغم من بعض نفحات الأمل بحكم مدني مرتبط بتبدّل المزاج الشعبي من خلال الديموقراطية، وخاضع لمبدأ تداول السلطات، فقد قام الإمام الخميني بتثبيت مبدأ ولاية الفقيه "الجامع للشرائط" لينصّب نفسه كقائد أعلى للأمة الإيرانية، آملاً بأن يصبح يوماً ولياً على الأمة الإسلامية.

ولم تأتِ مسألة سلطة الولي الفقيه المطلقة بشكل حاسم منذ بداية انتصار الثورة في إيران، ولكنها تدرّجت وبشكل سريع من خلال إقصاء كل القوى المدنية، وبشكل عنيف، عن مواقع الحكم، وحصر الإدارات في من يدين بالولاء للإمام الخميني، كما أن سلطة القمع المسلّحة انتقلت بشكل شبه كامل الى الحرس الثوري (الباسدران) وإلى الميليشيا الشعبية (الباسيج).

ولكن ذلك لم يمنع من بروز بعض التباينات بين رأي السلطة المدنية المتمثلة برئاسة الجهمورية وسلطة الإرشاد المتمثلة بالولي الفقيه، الى أن حسمها الإمام الخميني في الرسالة المشهورة الى من كان سنة 1988 رئيساً للجمهورية وهو السيد علي خامنئي. يومها تجرأ الخامنئي على انتقاد قرار للولي الفقيه الإمام الخميني اعتبره مخالفاً للدستور. فأعلن الخميني في هذه الرسالة سلطته المطلقة التي تفوق كل القوانين والدساتير، وحتى تجميد العمل بأربعة من أركان الإسلام الخمسة. وبعد وفاة الخميني انعقد مجلس الشورى تحت تأثير الحدث وأصبحت عصمة الولي الفقيه جزءاً من الدستور الإيراني.

في ظل هذا الواقع، كيف نفسر اليوم "العصيان" الذي يمارسه الرئيس محمود أحمدي نجاد في مواجهة الولي الفقيه على الرغم من أنه ابن المؤسسة المهدوية ومؤمن بشكل كامل بها، والدليل على جدية هذا "العصيان" هو الهجوم القاسي من قبل أوساط الولي الفقيه ومراكز القوى التابعة له على نجاد بتهم تصل الى حدود التكفير (ممارسة الشعوذة).

لا شك أن الرئيس نجاد، كغيره من زعماء الشرق، أصبح مقتنعاً بأنه يحمل الصفات السحرية والقدرات الماورائية التي تميّزه عن باقي البشر. و الواقع أنه ومجموعة من المحيطين به أصبحوا مقتنعين بأن عصر الغيبة الكبرى قد انتهى، وأن المهدي أصبح موجوداً وعلى اتصال مباشر بالرئيس نجاد. وبما أن الولي الفقيه هو بالأساس وكيل المهدي على الأرض، فقد أصبح دوره ثانوياً بوجود الأصيل!

في الحقيقة، أنا لم أرغب بالغوص الى هذا الحد في المعتقدات الماورائية، ولكنني وفي ظل المعطيات والخلافات ضمن الرؤية المهدوية، فإلى أي صف سيكون حزب الله، الإبن البار للدعوة المهدوية ولولاية الفقيه، هل سيبقى نجاد رؤى الأمم كما جاء في النشيد، أم سيتحوّل الى مشعوذ كما يقول القائد العام للباسدران والقائد الفعلي لحزب الله؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل