كتب أسعد بشارة في "الجمهورية":
البداية لم تكن إشكالا في الطبقة الثانية في مبنى سنترال العدلية بين وزير اتصالات يريد ممارسة الوصاية القانونية على هيئة أوجيرو، والهيئة التي تتمسّك بتكليف مجلس الوزراء لها إدارة الشركة الثالثة وتشغيلها، بل ولدت من سلوك تصادمي بين الوزير شربل نحّاس وفرع المعلومات الذي يحلو لفريق نحّاس السياسي أن يسمّيه ميليشيا المعلومات.
البداية بدأت بين نحّاس وفرع المعلومات منذ أن أدخل الوزير نفسه طرفا في الملفات الأمنية التي تابعها الفرع، والتي بدا أنها باتت على تماس مع حلفاء الوزير في الداخل والخارج، وأولها ملف عائلة الجاسم السورية التي سبقت الاحتجاجات السورية بالاعتصام أمام السفارة السورية في بيروت. هذا الاعتصام الذي أعقبه اختطاف السوريين الأربعة من محيط سراي بعبدا إلى جهة مجهولة باتت معلومة لدى فرع المعلومات الذي استعمل كالعادة سلاح الـData base تحليل الاتصالات الذي يأتيه عبر القنوات الرسمية من الشركات الخلوية عبر وزير الاتصالات.
وهذا الملف الأمني الذي أدّى بفعل تحليل ال Data base إلى ملاحقة أثر المخطوفين الأربعة مترا مترا من مكان الخطف وصولا إلى معسكر فلسطيني على الحدود اللبنانية السورية، أدى كما هو معروف إلى اتخاذ قيادة قوى الأمن الداخلي إجراءات عقابية بحق الضابط الذي قام بهذه المهمة، ولم تتراجع قوى الأمن عن هذه الإجراءات لأنها تأكدت من كل ملابسات القضية بفعل التحقيق الذي أجرته، وهي لم تتراجع عن معاقبة الضابط المسؤول على رغم كل الضغوط التي مورست، وكل التمنيات التي أتت، ومنها تمنٍّ من السفير السوري في لبنان بإعادة الضابط إلى استلام موقعه في حراسة السفارة السوريّة في بيروت.
الملف الثاني الذي كان عنوانا للقلوب الملآنة بين وزير الاتصالات وقوى الأمن الداخلي كان ملف خطف الأستونيين السبعة، وفي هذا الملف أيضا تمكّنت قوى الأمن الداخلي من فك ألغاز الخطف ومن اعتقال جزء من المجموعة الخاطفة، ومن تحديد هوية السيارة التي نفّذت بها العملية، وكذلك من تحديد المكان الحقيقي الذي أرسلت منه أفلام الفيديو للمخطوفين (المكان داخل سوريا)، وبعد كل ما تحقق فاجأ وزير الاتصالات قوى الأمن بوقف تسليمها الـData Base قبل شهر، وامتنع عن ذلك على رغم أنّ قوى الأمن الداخلي خسرت شهيدا في مجدل عنجر جرّاء تجرّؤ الخاطفين على اغتياله، ومن ثم الفرار. ولم تعلن قوى الأمن تعرّض ضابطين آخرين لمحاولة اغتيال بعد استشهاد راشد صبري، وكل ذلك جرى فيما كان الوزير نحّاس يحجب تحليل الاتصالات ويكاد يفقد قوى الأمن العَين المتبقية القادرة على متابعة هذا الملف الخطير، في وقت كان بإمكان هذه القوى أن ترصد ما تحتاج إليه من معلومات بواسطة الاتصالات، وهي التي تملك جهازا فائق التطور قادرا على الاستفادة من هذه المعلومات لفك ألغاز الجرائم السياسية والجنائية.
وطوال الشهر الذي حُجِبت فيه المعلومات عن قوى الأمن من وزارة الاتصالات، كان اللواء أشرف ريفي يتعرّض لضغط شديد، فبالنسبة إلى الضبّاط والعناصر الذين يعملون ليلا ونهارا على متابعة قضية الأستونيين، وملف استشهاد راشد صبري الذي قتل وهو يلاحق الخاطفين، فإنّ الضغط نتج من شعور لدى المدير العام لقوى الأمن بالغضب من الوزير نحّاس الذي عرقل بخطوته هذه مسار التحقيق. والضغط أيضا نتج من الشعور بمدى خطورة العرقلة، في ظل إلحاح ممثلي الدول الأوروبية، وعلى رأسهم مايكل وليامز وسفراء فرنسا وأستونيا ومعظم السفراء الأوروبيين، على استكمال التحقيق للإفراج عن الأستونيين، وخصوصا أن هؤلاء السفراء قد عاينوا منذ البداية فعالية قوى الأمن في كشف معظم تفاصيل الاختطاف بدءا بتحديد أرقام الجناة، مرورا باعتقال نصفهم وصولا إلى تحديد المكان الذي منه تم بث الأفلام المصوّرة على شبكة الإنترنت.
وما أثار غضب اللواء ريفي أن توقيت قيام وزير الاتصالات أعقب مباشرة نجاح هذه القوى بالوصول إلى فهم كيفية حصول عملية الاختطاف والمسؤولين عنها، إضافة إلى فك ملابسات عملية اختطاف السوريين الأربعة، وهذا ما حدا ريفي إلى التساؤل عمَّن طلب من وزير الاتصالات القيام بقطع مورد المعلومات عن قوى الأمن، وعن الهدف من كل هذه العرقلة المقصودة.
قبل حصول الاصطدام في سنترال العدلية، حاولت قيادة قوى الأمن "طرح الصوت" لدى المسؤولين، فزار اللواء ريفي رئيس الجمهورية وأطلعه على قرار نحّاس بحجب المعلومات عن قوى الأمن، وثمّن العمل على حل المسألة سريعا، لأن لبنان سيكون مسؤولا عن عدم استكمال التحقيق في موضوع الأستونيين، لكنّ الوزير نحّاس استمر بقراره في حجب هذه المعلومات، واستمر الاحتقان إلى أن ظُهّر أمس في سنترال العدلية. هذا الاحتقان الذي كان يمكن أن لا يؤدي إلى ما أدى إليه، لو لم تتطور العلاقة من التشنّج إلى الانفجار. لكنّ الأكثر دقة والأكثر مدعاة إلى التساؤل في هذه القضية التي ترتبط عميقا بالأمن الوطني، هو ما أشار إليه مرجع أمني لـ"الجمهورية" والمتعلق بقيام وزير الاتصالات بإعطاء تحليل الData Base إلى فريق لبناني، في الوقت نفسه الذي يحجبه عن فرع المعلومات.
ويضيف المرجع سائلا: هل هناك قرار اتخذه الوزير نحّاس بطلب من حلفائه بوضع فرع المعلومات في حالة انعدام البصر؟ وما تأثير هذا القرار في الأمن الوطني؟