#adsense

دون كيشوت

حجم الخط

لم يتوقّع الكاتب الأسباني "سرفنتس" أن تلاقي روايته دون كيشوت الرواج الذي حظيت به في زمانه. لكنّ الرواج التاريخي لا يمكن أن يضاهي بحال من الأحوال الرواج الحالي للرواية. ففي أيّام "سرفنتس" كان هناك دون كيشوت واحد معروف أبتدعه المؤلّف، أمّا في أيّامنا فهناك مجموعة كبيرة من الدونكيشوتيين الذين تجاوزوا دون كيشوت الأصلي، ولكن بشكل معاكس.

كان دون كيشوت بورجوازيا ساذجا متوسّط الحال، مقبلا على مطالعة الكتب التي تمجّد الفرسان الجوّالين الذين كانوا يناصرون الضعفاء ويعملون على نشر العدل. تأثّر دون كيشوت بقصص الفرسان الى حدّ الهوس، وأراد أن يقلّدهم، فلبس درعا وخوذة، وحمل رمحا متآكلا، وامتطى حصانا هزيلا لا يقوى على الجري، وأتّخذ تابعا ساذجا، وبدأ رحلة أعادة أمجاد الفرسان المنقرضين. وكانت أولى معاركه مع طواحين الهواء التي ظنّها شياطين ومصدر الشرّ، وهاجمها فرمته مهشّم العظم. كما تصوّر له أنّ قطيعا من الأغنام هو زحف جيش جرّار، فأراد أن يخوض معه مواجهة تخلّد أسمه، لكنّه سقط تحت وابل من أحجار الرعاة، مزّقت جسده وأفقدته بعضا من أضراسه.

إنّ الباحث في حقيقة الرواية يتبيّن له أنّ الهدف البعيد منها هو تصوير الصراع الأبدي بين الخير والشرّ، أو بين مثالية تتوق الى تعميم مناخ الخير والحق والجمال في وجه واقعية نفعية تتوسّل سيطرة الظلم. من هنا لا يمكن تهميش استراتيجية الرواية بالرغم من سذاجة بطلها وجنونه. أمّا المواقف المتعاقبة في متن الرواية، فتنقلنا بالتأكيد الى ما يجري عندنا من جانب بعض الساسة الفانتازيّين الذين تصدر عنهم مواقف لاعقلانية، نظرا لتعلّقهم بنصوص عفنة من جهة، وهي نصوص تأنف القرون الوسطى من الأعتراف بها، ولأنّهم يتصوّرون في مخيّلاتهم عوالم وهميّة ويرسمون مشاهد تمثيلية سوريالية، يكونون هم فيها الممثّلين والجمهور، ويحاولون فرضها على الآخرين وكأنّها حقيقة قائمة لا حلما لاواعيا من نسج " جنونهم ". هؤلاء الدونكيشوتيّون الجدد لا يختلفون عن دون كيشوت "سرفنتس " في التصرّف، وإن تمايزوا في الأهداف. ففساد الذهن والتصرّف الأخرق هما من العلامات المشتركة بين الطرفين، وكذلك الأفراط في تضخيم الأعمال البطوليّة والمبالغة الشاطحة في الروح الكفاحيّة. أمّا العجب فينسحب على اعتبار هؤلاء أنفسهم ناتج الأمّة بأكملها، يختزلون بذواتهم التاريخ، ويحرّك الفيض العلويّ ألسنتهم فلا ينطقون ألاّ بالحق.

لم تعد الدونكيشوتيّة صفة عابرة في عصرنا، بل أصبحت ظاهرة مستفحلة يجسّدها عدد غير محدود ممّن يسمّون أنفسهم قياديّين ومتولّي نعمة البشر، وذلك في مخيلتهم المريضة حيث تدور معاركهم مع طواحين الهواء ولا تتوقّف، لكنّ عظم الناس هو الذي يطحن. وأذا كان "سرفنتس"، بعد ظهور الجزء الثاني من روايته، قد أعتبره بعض النقّاد " كاتب أعظم رواية في الدنيا"، فالدونكيشوتيّون عندنا هم أعظم زمانهم في كتابة أشهر مهزلة مبكية على الأطلاق.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل