هل من رابط يمكن رسمه بين كلام امين عام "حزب الله"، حسن نصر الله، في ظهوره الاخير على طريقة "تربيح الجميل" بقوله إن مقاومته هي الاولى التي تنتصر ولا تطلب حصة في الدولة، وما حصل في مبنى الاتصالات في العدلية على يد الوزير المستقيل شربل نحاس؟ من كان لديه شك في أن "التيار العوني" أصبح يعمل عند "حزب الله" فإن ما جرى يقطع الشك باليقين، وجملة استنتاجات يستوجب التوقف عندها:
أولاً، في الشكل: "الغارة" التي نفذها نحاس ومن معه على المبنى، تذكرنا كثيرا بمشهد استعراض القوة الذي نفذه "حزب الله" في المطار عند استقبال جميل السيد.
ثانياً، في المضمون: نصّب شربل نحاس نفسه مجلس وزراء كاملا وسمح لنفسه باتخاذ قرار بتفكيك أجهزة كانت الحكومة سمحت بتركيبها من ضمن اتفاقية هبة مع الحكومة الصينية، ولو قيّد لهذه المحاولة النجاح لكان نحّاس ارسى سابقة تتيح ضرب الدستور بكل مفاعيله، ومهّد بذلك الطريق لعدد كبير من الوزراء ليمارسوا الحكم نيابة عن مؤسسة مجلس الوزراء، وهذا ما لا يمانعه "حزب الله" ايضا من باب تعميم الفوضى على كل مفاصل البلاد.
ثالثاً، في الاهداف: محاولة دق الاسفين بين الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي التي حاول نحاس إنفاذها لا تخرج عن رغبة قديمة لـ"حزب الله" في زج الجيش في مواجهة مع قوى الامن وتحديدا اللواء أشرف ريفي وفرع المعلومات، بوصفهما رقمين أمنيين صعبين سعى الحزب ولا يزال لازاحتمها.
رابعاً، في الممارسة: بكل صلافة واستعلاء يسمح شربل نحاس لنفسه بمنع وصول معلومات الاتصالات الى قوى الامن خلال متابعتها للتحقيقات في الجرائم، مساهما بذلك في إفشال جهودها وإظهارها بمظهر المقصّر ليتسنى لزعيمه ميشال عون ان ينقض عليها من منبره في الرابية ويتهمها بالاخفاق في اداء مهماتها. وهذا ما يخدم "حزب الله" في العمق ويستر عيوبه وربما ضلوعه في مخالفات أمنية. وربما يدور في بال الكثير من اللبنانيين سؤال عما إذا كان نحاس يجرؤ على رفض طلب من طبيعة أمنية لـ"حزب الله" أو إذا كان يجرؤ على إخفاء معلومات عن الحزب؟
في السياسة، ما جرى في مبنى الاتصالات في العدلية كان له هدفان:
الاول: توجيه رسالة شديدة اللهجة الى رئيس الجمهورية مفادها بان قوى الامن باتت أكبر من وزارة الداخلية، وبالتالي فإن التيار العوني سيعاود المطالبة بها، لأن الاتيان بوزير يغطي اللواء أشرف ريفي وفرع المعلومات لن يكون مقبولا، ولن يكون مستغربا ان يسمع اللبنانيون هذه المطالبة في الايام المقبلة.
ثانيا: "حزب الله" ومباشرة بعد خطاب أمينه العام عمد الى افتعال حدث، عبر نحّاس، ليبعد العين فترة وجيزة عن موضوع تأليف الحكومة، سيما انه تعهد بألا يمارس ضغوطا على حلفائه للتشكيل، وبالتالي فواقعة الاتصالات ستمنح ميشال عون حجة قوية لاعادة خلاط الاوراق في الملف الحكومي.
ثالثا: نجح التيار العوني ومن خلفه "حزب الله" في حرق وزير الداخلية "بالبارود" في خطوة اتقن هندستها شربل نحاس، بعدما كان قضى على حظوظه في الوصول الى الوزارة مرة ثانية ليتمكن من انجاز ما كان يطمح اليه.