لم يلعلع الرصاص على أدراج وزارة الاتصالات بين عناصر قوى الأمن التي أرسلها الوزير زياد بارود لمواكبة زميله الوزير شربل نحاس، وعناصر قوى الأمن – فرع المعلومات المكلفة حماية مبنى الاتصالات قرب قصر العدل في بيروت. صرخ ضابط بالعسكر المحتشد في المكان الضيق: "أخرجوا الرصاص من بيوت النار. لا نريد أن يموت أحد"، فلم يلعلع الرصاص. لكن أزمة انفجرت وكل ما أحاطها من الدقائق الأولى كان يوحي أنها ستكبر وتكبر. في نتيجة الجولة الأولى أمس سجل وزير الاتصالات عملية "ربط نزاع" ناجحة مع قيادة قوى الأمن، وسجل زميله وزير الداخلية سابقة دولية باعلانه "تحرير نفسه" من مسؤولياته، فاعتقد الناس أنه "استقال" من الحكومة المستقيلة، وقيل لاحقاً انه "اعتكف" وتسلم تصريف أعمال الداخلية بدلاً منه وزير الدفاع بالوكالة الياس المرَ.
نحاس اصطحب معه الى الطبقة الثانية من وزارته كاميرا لمحطة "أو تي في" أتاحت للبنانيين مشاهدة المشكل، وسماعه وان على طريقة أفلام "اليوتيوب" يلتقطها معارضون سوريون بهواتفهم. وعلى مدخل الغرفة التي تسمى "غرفة التحكم في الاتصالات" أخذ يحاور ضابطاً برتبة رائد في فرع المعلومات . الوزير يرفع صوته من غير تشنج لتسجل الكاميرا وجهة نظره، أن فرع المعلومات منعه من دخول الغرفة الواقعة في وزارته بأمر من المدير العام لقوى الأمن اللواء أشرف ريفي. والضابط يصر بحزم ولكن بتهذيب على وجهة نظره، أنه مكلّف حماية المنشآت بطلب من هيئة "أوجيرو" التي أوكل اليها مجلس الوزراء عام 2007 الحفاظ على معدات هبة صينية وتشغيلها، وأن الوزير والمديرين العامين اللذين معه يمكنهم الدخول أما تفكيك المعدات فيستوجب قراراً من مجلس الوزراء. كان صارماً في توضيحه للوزير أن مغادرة عناصر "المعلومات" المكان يلزمها قرار مناقض من قيادة قوى الأمن الداخلي، والقيادة كانت معه على الخط.
لربما كانت تلك الدقائق القليلة الأصعب في حياة الوزير بارود. فبمراجعة الوقائع يتبين أن نحاس طلب مواكبة أمنية والداخلية وفرتها له من أمن السفارات وحماية الشخصيات، أما وجهة وزير الاتصالات فسيتبين أنها مكان تحميه أو تضع يدها عليه قوة أمنية تابعة للداخلية أيضاً. بصرف النظر عن حق "المعلومات" في التمركز في تلك الطبقة من وزارة الاتصالات أو تجاوزها في ذلك للوزير المعني، يشبه الأمر اصطداما بين سيارتين لمالك واحد: زياد بارود.
أبعد من الهبة الصينية وحاميتها "أوجيرو" التي لم يعد الوزير نحاس منذ أسابيع يعترف بوجودها، تتعلق المشكلة في حقيقتها بحجب وزارة الاتصالات المعلومات عن "المعلومات"، تحديداً البيانات التي تبين مَن اتصل بمَن ومتى ومِن أي مكان حصل الاتصال والتلقي، ما يسمى "الداتا" وليس مضمون الاتصالات. تحت ستار حماية معدات هبة صينية كان وزير الاتصالات قرر تفكيكها ونقلها الى مبنى "ام تي سي تاتش" قرب مقر مؤسسة كهرباء لبنان رغم ارادة "أوجيرو"، تمكن فرع المعلومات من الاستحواذ على كنز من المعلومات سيساعده في تعقب مرتكبين خطرين كثر على ما يقول معتبرا ان الوزير السابق في الاتصالات جبران باسيل كان رحيماً على "المعلومات" مقارنة بخلفه وزميله في "التغيير والاصلاح". في المقابل استطاع نحاس بضربة اعلامية ذكية تصوير الأمر منعاً لوزير من ممارسة سلطته على وزارته واحتلالاً أمنياً لمرفق خلافاً للقانون. وكالعادة ينقسم الناس، فمن يؤيدون الوزير وخطه (8 آذار) يقفون معه، ومن يؤيدون "المعلومات" ومن خلفه (14 آذار) يقفون معه . فالقضية سياسية أولاً وأخيراً، والبلد مقسوم عمودياً.
سيتابع النائب العماد ميشال عون اثارة موضوع "الاعتداء" على الاتصالات، وربما الحريات على أيدي "الشبيحة" المحليين من وجهة نظره. موقف يحمل ربحاً محلياً على الأرجح. في المقابل يسأل الـ "14 آذاريون" هل معدات وزارة الاتصالات ملك للدولة أو للوزير ينقلها حيثما شاء؟ ولمصلحة مَن وأي جهة كان يريد تفكيكها ونقلها؟ وهل قرار لمجلس الوزراء ينقضه قرار وزير في حكومة تصريف أعمال في دولة تستحق هذا الاسم؟ "الآذاريون" هؤلاء ربحوا على الأقل صورة لهم افتقدوها منذ زمن بعيد ممسكين بالسلطة فعلاً وعازمين على المواجهة. بدليل صورة الوزير نحاس مكسوراً، نازلاً درج وزارته على مرأى المشاهدين آخر الفيلم .
للاشتباك السياسي والاعلامي تتمة بالتأكيد، على أمل ألا تخنق شوارع بيروت، ولا سيما مداخل الأشرفية بزحمات السير الخانقة على غرار أمس نتيجة الانتشار الواسع والمتوتر لوحدات الجيش وقوى الأمن، في العدلية وبدارو ومحيطهما . وحده الوزير بارود لم يربح شيئاً في هذه المعمية، فخسر 14 آذار ولم يربح 8 آذار ، ليس حتى اليوم. اكتفى بمحاولته انقاذ ماء الوجه والخروج من حلبة صراع الديكة المتوحشة هذه التي اسمها المؤسسات الحكومية. بالأحرى ركام الدولة.