كتببت هالة حمصي في "النهار": حتى "الحكمة" وصفت نفسها به لتدل الى عظمتها… أرز لبنان يحمل أبعاداً روحية وتاريخية عميقة. فهو شكّل "لباس" هيكل سليمان، من الارض الى السقف، وقصره الملكي دعي "بيت غابة لبنان"، لانه كان ايضا من الارز. واختار الملك له تختاً من خشب الارز لينام عليه. بكل بساطة، كان "الغنيمة الفاخرة" المبتغاة، شرقاً وغرباً، توق ملوك يهود وفراعنة مصر وغزاة من بلاد ما بين النهرين.
اوصاف رائعة كثيرة أُعطِي في الكتاب المقدس، و73 مرة ذُكِرَ اسمه في العهد القديم. واذا كان اعتبر "رمزاً للبهاء السياسي والاقتصادي للبلد ولقدرة الحكام"، فان النبي حزقيال (17/22-24) قدم نبوءة مسيحانية بوصف المسيح الملك بـ"الارز الجديد" النابت من غصن طري زرعه الرب في جبل عال يفوق كل جبال العالم ويتدرأ تحته كل طائر، بما عكس بُعداً شمولياً للكنيسة.
"ذهب" اليهود والملوك
للأرز في الكتاب المقدس "مكانة شرف" لم تمنح لأي شيء آخر. "لقد تفوق على بقية انواع الاشجار، ولا اي صنف آخر يضاهيه"، تقول استاذة الكتاب المقدس في جامعات الروح القدس والقديس يوسف والحكمة الدكتورة في اللاهوت البيبلي الاخت روز ابي عاد (من راهبات القديسة تيريز الطفل يسوع المارونيات) لـ "النهار". واذا كان من ميزات الارز الخضرة الدائمة على مدار السنة، فان في ذلك "منطلقاً للاستيحاء، الى جانب صلابته ومكانته ورشاقته"، تشرح.
والأرز بمثابة توأم للبنان في الكتاب المقدس، على قولها. "لا يمكن ان نبتر لبنان عن الارز، والمقصود هنا بلبنان جبل حرمون، الجبل الابيض. الارز هو سمته المميزة، وقد اكسبه نوعا من الجاذبية الفريدة". تاريخيا، يعود ذكره الى الحقبة ما بين حيرام ملك صور والملك داود. "يخبرنا سفر صموئيل الثاني (5/11) كيف ارسل حيرام رسلا الى داود، وخشب أرز ونجارين ونحاتين ليبنوا بيت داود. وفي سفر الاخبار الاول، نقرأ عن وفرة خشب الارز الذي ارسله حيرام الى داود".
وتتوالى المقاطع في الكتاب التي تتكلم على المكانة المهمة التي كانت للارز في تلك الحقبة: "سفر الملوك الاول (6/9- 10، 6/15-34) يصف بوضوح كيف اكمل الملك سليمان بناء الهيكل، و"كان كل شيء ارزا، ولم يكن يُرَ حجر". حتى انه كان هناك مذبح من أرز في قدس الاقداس، الغرفة التي فرزها سليمان في قلب الهيكل ليضع فيها تابوت العهد، رمز سكن الله بين شعبه". ويبيّن الكتاب ايضاً ان الملك سليمان استخدم الارز فقط لبناء قصره الملكي (1 ملوك 7/2-3)، "من الارض الى السقف"، وجعل رواق عرشه مصفحا ايضاً بالارز، "من الارض الى السقف" (1 ملوك 7/7). وهذا يستدعي ابي عاد الى التوقف عند "عظم كمية الارز والمواد الاخرى التي نقلت من قمم لبنان الى شواطىء يافا".
بناء الهيكل استغرق 7 سنوات، والقصر 13 سنة. "اي ان قطع الارز من لبنان تواصل على مدى 20 عاماً، بما يدل الى كثافته الكبيرة في تلك الحقبة"، تقول. وتستحضر صورة معبّرة من الكتاب: "كان يشبَّه الارز بالجميز الذي في السهل بكثرة، وذلك للدلالة الى وفترته في اورشليم (1 ملوك 10/27)". وتخلص الى ان "هيكل سليمان هو نموذج الهندسة الفنيقية الفخمة. وكان القصر الملكي غنياً جداً بالارز، الى درجة انه اطلق عليه بيت غابة لبنان (1 ملوك 7/2، 10/17، 2 اخبار 9/16-20)".
كل هذا كان في القرن العاشر ق. م. وفي مرحلة اخرى، تعرض اليهود للنفي العام 587 ق.م. وبعودتهم من منفاهم، ارادوا ترميم الهيكل، "فاعاد التاريخ نفسه، وطلبوا ارز لبنان"، تفيد. و"استعانوا باهالي صيدا وصور ليأتوا بالارز الى بحر يافا، بموجب اذن قورش ملك فارس (عزرا 3/7)". ويحكي الكتاب عن الاحتفال بهذه العودة، وعن "مجد لبنان الذي كان له موقعه الخاص في التمجيد والتعظيم، ولذا سيؤتى بالخشب الثمين في هذه المناسبة". وكانت مميزة لما اعتبرت هذه العودة "بمثابة قيامة". وكتب اشعيا (60/13): "مجد لبنان (اي الارز) يأتي اليك…".
جائزة الغزاة
وفي الكتاب ايضاً، اشارة الى اهالي جبيل وتجارتهم بالارز مع المصريين. وتفيد ابي عاد "ان ميناء جبيل كان يستخدم لتموين المصريين بالارز لبناء السفن ولسقوف القصور والمعابد وفي صناعة الصحون والاواني والنواويس والاثاث". كان استخدامه شائعا الى درجة "ان المؤرخ اللبناني فيليب حتي كتب انه تكاد لا تخلو اي غرفة من المتحف المصري في علم الآثار من قطعة خشب الارز".
هذا "الذهب" البني كان ايضا محط مطامع غزاة من الغرب والشرق امروا بقطعه: مع الاكاديين من بلاد ما بين النهرين، "وتحديداً مع الملكين سرجون (2400-2200 ق.م) واكادي، ومع المصريين: تحتمس الثالث (1457)، سيتي الاول (1818)، رعمسيس الثاني (1297)، وتيغلت فلاسر الاول (1114). ويضاف الى اللائحة الملك الاشوري اشور نصير بال (883)، وسنحريب الاشوري (2 ملوك 18/13-19 و37، اشعيا 36)، واسر حدون الاشوري (680)".
وتتسع سلسلة الملوك الغزاة لاسماء اخرى، وكان الارز غنيمتهم الفاخرة "التي كانوا يتباهون بها"، تقول. "العودة بالارز كان انجازهم الاكبر الذي استحق تدوينه في حولياتهم"، حتى ان اسطورة غلغامش تضمنت ذكراً للأرز. "البطلان انكيدو وغلغامش اخذا الارز ليصنعا منه بابا لهيكل نيبور في بلاد ما بين النهرين".
"أرز الرب"
على مر العصور، اقترن الارز بطابع القدسية، وتفيض المزامير بشتى الاوصاف العاكسة له. "تشبع اشجار الرب، ارز الرب الذي غرسه"، يقول المزمور 104/ 16، "اي ان الرب هو الذي غرس الارز بيده، بما يعني ان دور الارز ان يشهد عبر العصور لعظمة الله وقدرة الخالق"، تشرح ابي عاد. وفي المزمور 148/9، يشارك الارز في تسبيح الرب: "سبّحيه ايتها الجبال وجميع التلال الشجر المثمر وجميع الارز".
وفي اشعيا (40/16)، تبرز صورة "محرقة الارز الجبارة لتليق بالله"، احتفالا بالعودة واعادة ترميم الهيكل. ويخبر سفر اللاويين (14/4-6-49-51-52) عن استخدام الكاهن خشب الارز، الى جانب مواد اخرى، في رتبة التطهير، في حال شفاء ابرص. "في هذه الرتبة، يرمز الى الديمومة وعدم الفساد"، تشرح. ومكانته هذه هي نفسها في رتب التطهير الاخرى (سفر العدد 19/6).
ويذهب ايضاً كتاب المدراش (اي تفسير الكتاب المقدس) لدى اليهود الى تأكيد قدسية الارز، "بالقول ان العالم لم يكن يستحق استخدامه، ويجب فرزه للهيكل فقط". اضافة الى كل ذلك، كان الاقدمون يقدمونه ذبيحة الى الآلهة. "بحرقه، كانت تنساب رائحة عطرة كالبخور، بمثابة احتفالات تطهير. وهذا البعد التطهيري للارز يحمل طابعاً مقدساً ايضاً"، تشرح.
في المعاني الرمزية الاخرى للأرز، هناك "النوعية الممتازة". وعندما تتغزل الحبيبة بحبيبها (في نشيد الاناشيد) بقولها: "طلعته كلبنان، انه يمثل النخبة، كما الارز بالنسبة الى سائر الاشجار"، لأن "الارز يُظهِر جمال الحبيب وعظمته وفرادته"، تقول ابي عاد. "وبهذا الوصف، الحبيب هو الابهى بين سائر البشر، تحفة نادرة في عيني حبيبته. ويعيش الأرز على الجبال، فان ذلك يرمز الى الارتفاع والسمو والمجد".
وتتابع الصور الجميلة عن الارز: كان توق الملك يواقيم (ارميا 22/14-15) الى مسكنه، ليخلد ذكراه به. وفي نشيد الاناشيد (1/17)، "يتماثل الحبيبان بالآلهة من خلال سكنهما مثلها في بيت من ارز"، تقول ابي عاد. كذلك صنع الملك سليمان لنفسه تختاً من خشب لبنان (نشيد 3/9)، "بما يدل الى الفخامة التي كان الارز يُقرَن بها". وتضاف ايضاً الى الصفات "الصلابة والدفاع والحماية" (نشيد 8/9).
وينضم البعد الرمزي للارز الى الرمزيات السابقات: الرائحة العطرة دائما (نشيد 4/11). ويشبّه هوشع (14/6-8) صلابة الشعب التائب بالجذور العميقة للارز. "ارز الرب كان مضرب عظمة"، تقول. "في علم النبات، ترتفع شجرة الارز بقدر نزول جذورها في الارض، بما يعكس صلابتها وثباتها". وتتكامل الصورة بسمو "البار كالنخل، ومثل ارز لبنان ينمو" (مز 92/13)، بما يرمز الى "الاستقامة والنزاهة". وتقرن الحكمة نفسها بالارز: ارتفعت كالارز في لبنان" (يشوع بن سيراخ 24/13)، بما يجعله رمزا لها. وهناك ايضا رمزيات "المهابة" (يشوع بن سيراخ 50/8)، و"التعالي والتفاخر" (2 ملوك 14/9، قضاة 9/8-15، حزقيال 27/5)…
في رأي ابي عاد، اجمل وصف للارز ورد في سفر حزقيال (31). ولكن مع كل هذه العظمة التي كانت له، يبقى "الخالق" فوقه. "صوت الرب يحطم الارز، يحطم الرب ارز لبنان"، يقول المزمور 29/5. "فرغم الصلابة والعلو اللذين تتمتع بهما شجرة الارز، فانه لا يمكن ان تتحدى الخالق"، تشرح. ويشبّه ايضاً اشعياً (2/13، 9/9، 10/33-34، 14/8) سقوط العظماء "بسقوط الارز"، بقدر ما كان رمزاً للعظمة، للابهة… اياً يكن، فإن الارز يوحي اليوم، في عيني ابي عاد، "الرجاء، للماضي والمستقبل". هل فقد قيمته الروحية؟ تجيب: "لا تزال موجودة. لكن المهم نظرة اللبنانيين اليه".