حمل الرئيس الأميركي باراك أوباما ملف "الربيع العربي" إلى قمة مجموعة الثماني في منتجع دوفيل الفرنسي، ساعيا إلى جانب حشد الدعم الأوروبي لإقرار مساعدات مالية للشعوب التي نجحت في إسقاط "رؤسائها"، إلى تبنّي المزيد من العقوبات ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد مراهنا على تليين الموقف الروسي ليفتح الباب أمام قرار إدانة قمع المتظاهرين بالقوّة في مجلس الأمن الدولي.
ومن المتوقع أيضا أن تضغط واشنطن لإحالة "الملف النووي السوري" إلى مجلس الأمن الدولي، بعدما دعم مفتشو الأمم المتحدة تقارير أميركية وإسرائيلية كشفت أنّ الهدف الذي دمّرته غارة اسرائيلية في العام 2007 هو فعلا مشروع نووي سوري سرّي. ويضاف إلى ذلك عمل حثيث لمنظّمات حقوق الإنسان العالمية التي جمعت ملفا دسما سيتم تقديمه أيضا إلى مجلس الأمن ويظهر بالوقائع العنف الممارس من قبل النظام ضد المتظاهرين في سوريا.
السعي الأميركي هذا حرّك اتهامات من خصوم واشنطن في المنطقة بأن هناك محاولات أميركية لـ"سرقة" الثورات العربية، فهل واشنطن وحدها من يسعى إلى سرقة هذه الثورات؟ وأين إيران وامتداداتها وتركيا وطموحاتها من هذه الثورات؟
دبلوماسي أميركي سابق اعتبر أن من المنطقي أن تعمد قوة عظمى كالولايات المتحدة إلى مواكبة المتغيرات في الشرق الأوسط عن كثب سعيا للحفاظ على مصالحها في الدرجة الأولى، وفي محاولة لزيادة رقعة نفوذها في مواجهة التمدد الإيراني من جهة أخرى. واعتبر الدبلوماسي المخضرم في شؤون الشرق الأوسط أن إدارة أوباما، وعلى عكس الإدارة السابقة، لم تعتبر إيران "العدو" الواجب مقاتلته، بل سعت، ومنذ استلامها السلطة أواخر العام 2008 إلى التفاوض مع طهران في ثلاثة ملفات أساسيّة:
– ترتيب الانسحاب من العراق؛
– ترتيب الخروج من أفغانستان؛
– التعاون الأمني في الملف الباكستاني "الحيوي" في حرب واشنطن على الإرهاب.
وأسفرت هذه المفاوضات عن إرساء تهدئة بين الطرفين وفك اشتباك تمهيدا لتسوية الملفات العالقة، وخصوصا أنّ مشكلة واشنطن – أوباما مع طهران تنحصر في حجم التمدّد الإيراني عند منابع النفط وحدود إسرائيل. ولهذا أتى رد الفعل الأميركي فاترا حين هدر "ربيع إيران" ونزل مئات الآلاف إلى شوارع المدن الرئيسة احتجاجا على إعادة انتخاب نجاد منتصف العام 2009، وعلى رغم عمليات القمع الدموية ووجود تحالف واسع معارض للرئيس نجاد والمرشد الأعلى يبدأ بمير حسين موسوي ولا ينتهي بهاشمي رفنسجاني، إلا أنّ واشنطن فضلت عدم زعزعة نظام الثورة الذي بدا وكأنه يتآكل من داخله، واكتفت ببعض بيانات الاستنكار ملتزمة بنود "فض الاشتباك".
وحسب الدبلوماسي السابق، فإنّ القراءة الإيرانية المستندة إلى نظرية انهزام المشروع الأميركي في المنطقة والسعي الإيراني "المتسرع" لمحاولة الحسم في أفغانستان والعراق ولبنان والأراضي الفلسطينية بهدف ملء الفراغات التي قد تتركها واشنطن، عاملان ساهما في قوة في إعادة جدولة الأولويات الأميركية في المنطقة، والذي ترافق مع متغيّرات هائلة ومتسارعة تمثلت بسقوط أنظمة حليفة لواشنطن وتهديد أخرى عند منابع النفط. وأشار المسؤول الأميركي إلى أن انغماس طهران في احتجاجات البحرين، والسعي الإيراني السريع لتطبيع العلاقات مع مصر ما بعد مبارك، وتحويل "الربيع العربي" إلى ربيع إيراني الهوى، دفع إدارة أوباما إلى استعادة المبادرة وشن هجوم مضاد على حليفي طهران الأساسيين: الرئيس السوري بشار الأسد وزعيم حزب الله السيّد حسن نصرالله.
وهنا اعتبر المسؤول الأميركي السابق أن تزامن دخول القوات السعودية إلى البحرين منتصف آذار المنصرم، مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة السورية، هو "مصادفة خبيثة" وخصوصا أن إيران وحلفاءها شجّعوا وشحنوا عبر إعلامهم والإنترنت إلى انطلاق ثورة "حنين" في السعودية قبل أيام معدودة جدا من انفجار الشارع السوري في شكل صاعق ومفاجىء…
وهنا توقع المسؤول تزايد الضغوط الأميركية المباشرة على الأسد ونصرالله، مع دخول تركي واضح على الخط من خلال توحيد صفوف المعارضة السورية ومدها بمستلزمات المواجهة التي تبدو قاسية وطويلة الأمد، ورفع إسرائيل من نبرة خطابها واستنفارها ردا على التلويح بتسخين جبهتي الجولان وجنوب لبنان، وبالطبع جهوزية قصوى للحكام والأجهزة الأمنية في الخليج زائد الأردن، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية بمقدراتها الضخمة.
ولعل التعيينات الأمنية الحساسة التي أقرّها أوباما أخيرا ستحدد اتجاه الأجندة العسكرية الأميركية مستقبلا، فمدير الـCIA ليون بانيتا أصبح وزيرا للدفاع، والجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الدولية في أفغانستان سابقا، أصبح مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية CIA. وبالتالي ستتصدّر أجندة الاستخبارات أولويات البيت الأبيض في مفهوم تحديد العدو أو الإعداء وسبل مواجهتهم، وستتعزز بنظريات بترايوس القائمة على تجنّب حرب الجيوش وضرب الأعداء في عقر دارهم من خلال عمليات خاطفة تقوم بها نخبة البحرية الأميركية كالتي اغتالت زعيم القاعدة أسامة بن لادن قبل أسابيع.