كتبت روزانا بومنصف في "النهار":
سارع لبنان الرسمي وغير الرسمي ممثلا بالقوة الرئيسية على الارض في الجنوب أي "حزب الله"، الى ادانة الاعتداء الأمني الذي تعرض له عناصر من الكتيبة الايطالية العاملة في القوة الدولية في الجنوب بقوة. فايطاليا بالنسبة الى وضع قوتها العاملة في لبنان ينطبق عليها المثل اللبناني "لا تهزو واقف ع شوار" في ظل معلومات تتحدث عن نية روما تقليص عدد عناصرها العاملين في لبنان، بذريعة ان الصعوبات الاقتصادية والمالية تفرض على عدد من الدول الاوروبية تقليص حجم نفقاتها الخارجية، وان اتصالات من الامم المتحدة ودول عدة كانت تجري في الشهرين الاخيرين من اجل حض ايطاليا على الاستمرار في التزامها في لبنان من دون اي تغيير.
بهذا المعنى فان من استهدف دورية من الكتيبة الايطالية يدرك جيدا النقطة الحساسة التي يمكن ان تصيب الاوروبيين في هذه المرحلة أكثر من سواهم، علما انه ليس واضحاً حتى الآن للمعنيين ما اذا كانت الكتيبة الايطالية هي المقصودة أو أي كتيبة من القوة الدولية كرسالة الى المجتمع الدولي ممثلا بالاتحاد الاوروبي والامم المتحدة على حد سواء. وسارع وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني الى اعلان نية بلاده خفض عديد قواتها وانها ستجد طريقة لذلك بحيث يمكن ان يكتسب هذا الموقف ما هو ابعد من الاستهلاك السياسي في داخل ايطاليا على ما كان يحلو للبعض وصف الشائعات عن موقف ايطالي بخفض عدد القوة العاملة في الجنوب. فالقرار الذي كان متأرجحا قبل بعض الوقت سيكون ممكنا اتخاذه في ضوء الاعتداء الاخير.
يعتبر معنيون ان الغاية من النفاذ من نافذة ايطاليا هي اصابة اكثر من عصفور بحجر واحد، فالمعلومات الديبلوماسية المتوافرة عن المفاوضات والاتصالات الجارية على خط ايطاليا تفيد عن مخاوف ان تكون اي خطوة ايطالية في اتجاه خفض مساهمتها في الحنوب عاملا تحفيزيا لدول اوروبية اخرى تقف بدورها على حافة "الشوار" ايضا لأسباب مالية ظاهريا، في حين ان المعنيين يثيرون التحفظ الفرنسي لدى وزارة الدفاع الفرنسية عن المشاركة في القوة الدولية العاملة في الجنوب والتي ترقى الى زمن تحفظ الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عن المشاركة الاضافية بقوة فرنسية في تطبيق القرار 1701 صيف العام 2006، وان اصرار وزارة الخارجية الفرنسية على الاستمرار في المشاركة يبقي المشاركة الفرنسية وفق ما هي رغم انه سبق للقوة الفرنسية ان تعرضت لتحديات صعبة في الجنوب.
الخشية تنسحب على المانيا التي تتولى مهمة الرقابة الدولية البحرية تطبيقاً للقرار 1701. وكان ممثل الامين العام للامم المتحدة في لبنان مايكل وليامس زار المانيا اخيرا في طريقه الى الدول الاوروبية الاخرى في مسعى لاقناع هذه الدول من اجل ابقاء مشاركتها من دون تغيير، خصوصاً ان المشاركة الالمانية مهمة بقدر كبير وسحبها يمكن ان يفتح الباب امام اعتراض اسرائيل بواخر او سفناً بذريعة نقلها اسلحة الى "حزب الله"، مما قد يفتح الامور على احتمالات خطيرة. لذلك كان وليامس يضغط في الاسابيع الاخيرة للتعجيل في تأليف حكومة تتحمل مسؤوليتها بما يطمئن الدول المشاركة الى وجود حكومة تتحمل المسؤولية، علما ان مراقبين سياسيين في بيروت يقولون ان اي مخطط لاستخدام جنوب لبنان في اي اتجاه لم يردعه في السابق وجود حكومة كاملة الصلاحية.
وتقول مصادر ديبلوماسية ان مسارعة الافرقاء اللبنانيين الى ادانة الاعتداء ووصفه بانه عملية اجرامية والحض على كشف الفاعلين يندرج في اطار محاولة الالتفاف على هذه المعطيات والحؤول دون تفاقمها، الا ان ثمة شبه اجماع سياسي على اعتبار الاعتداء مرتبطا بالتطورات الاقليمية انطلاقا من تاريخ طويل من اعتبار لبنان ساحة توجه من خلالها الرسائل الى المجموعة الدولية والى دول الاتحاد الاوروبي خصوصاً أياً يكن من يوجه هذه الرسائل. فالمعطيات السابقة تقنية في المبدأ، في حين ان للاعتداء ابعاداً سياسية تقفز الى الواجهة في ضوء التطورات السورية التي أدت الى إجراءات عقابية طاولت الرئيس السوري بشار الاسد شخصيا.
وهناك من لا يستبعد العامل الفلسطيني في ضوء تعرض الفلسطينيين أخيراً لاطلاق نار على الخط الازرق مع اسرائيل. لكن هناك من يستعين ببعض المواقف المعلنة اخيرا على ألسنة مسؤولين سوريين أو حلفائهم اللبنانيين بالاستناد الى امكان حصول تصعيد في لبنان وضد القوة الدولية في حال التصعيد ضد النظام السوري في مجلس الامن او اكثر من حيث تطور المواقف الى ابعد من مطالبة الرئيس السوري برعاية الانتقال الديموقراطي او الرحيل ووصول هذه المواقف الى مطالبة الاسد بالرحيل فقط
تقول مصادر ديبلوماسية معنية انها لن تقفز الى الاستنتاج الذي أبدته مواقف لبنانية متعددة من كل الاتجاهات بكون الاعتداء رسالة سورية او من النظام السوري في انتظار ان تظهر التحقيقات بعض الخيوط عن المرتكبين، لكنها تأخذ هذا الاحتمال بقوة من بين احتمالات اخرى بناء على تجارب سابقة في محطات خطيرة مماثلة، اضافة الى اعتبار دول عدة ان سوريا حاولت نقل ازمتها الى لبنان اخيرا عبر ما حصل تزامنا بين الجنوب والجولان وما حصل في شمال لبنان ايضا.
هناك مخاوف لبنانية متعددة من تداعيات ما يحصل في المنطقة وفي سوريا خصوصا على لبنان، الامر الذي تدركه وحذرت منه دول عدة. وإذا كان الاعتداء رسالة فهو يعني ان الوضع اللبناني مفتوح على احتمالات خطير جدا ويمكن أن يشهد حوادث مماثلة او تفجيرات مختلفة مع تصاعد التدهور في سوريا علما ان الامر قد يؤدي ايضا وفق ما يرى البعض الى ولادة الحكومة متى اتخذ قرار سوري بالمواجهة انطلاقا من لبنان بحكومة مواجهة.