#dfp #adsense

الصغير..

حجم الخط

ما كان النافخ في الكير إلا وفيّاً لصفته من دون غيرها. ولا شيء غيرها. الباقي يمكن فيه البيع والشراء. واقفال الذاكرة. والاستنساب في الاختيار منها وطمس ما لا يُراد اختياره.
حطّاب يجمع خشب المواقف السامّة ليرميه في موقد الفتنة. ويدلق من زيت لسانياته على النار ليستعر أوارها ولا يسأل ولا يهمه أن يسأل.
المهم في عُرفِهِ إشفاء غليل مليء بتراكمات فيها العجائب.

بعضها آت من بيئته قبل غيرها، التي رفض أقطابها وروّادها والحارسون لمصالحها تسليم رقابهم ورقاب اللبنانيين عموماً، الى "حالة غير مستقرة". فيها طيش لا يليق بالدولة ورجالها. وفيها مزاج ناري لا يليق بالتسوية الوطنية ولا تاريخها.. وما بقي منها.

وبعض تلك التراكمات آتٍ من بيئة وطنية عامة. انتبه فيها أهل النظام والدستور والقانون والأعراف وأصول الحكم وأبوابه وفتحاته وإغلاقاته، الى أنه يستحيل تسليم كرسي الكيان والجمهورية الى من يفترض دائماً ان عود الثقاب يحلّ كل معضلة. وان الغابة التي لا يعرف الدخول إليها يُفترض إحراقها بمن فيها.

وبعضها الآخر آتٍ من حلفاء مفترضين، تأخر الوصول إليهم. وهم رغم كل ما فيهم، وجدوا استحالة في تسليم "مشروعهم" الدقيق والخطير الى مزاجي يمكن أن يطيش في كل حين، والى متهور يخطو خطوة واحدة الى الأمام، ثم يتفركش في الثانية من شدّة هيجانه وفشله الموصوف في الحساب والتاريخ والجغرافيا والسياسة والعسكر، بل في كل شأن تنكّبه وتصدى لمسؤوليته.

انتبهوا أكثر من غيرهم، الى انه يصلح ليكون واجهة مرحلية لا أكثر. ومكبّر صوت لما يهمسون به، أو بجزء منه. أو ساعي بريد يحمل رسائلهم غير الحاملة لأسمائهم لكن الحاملة لكل أهدافهم… وحتى في ذلك، لا بأس من الحذر وإبقاء الجرس في اليد، يُدقّ في اللحظة التي يأخذ الشطط بحامل الرسائل الى حدّ تصديق نفسه انه كاتبها أو صاحبها الاصلي!

وبعض تلك التراكمات، آتٍ من سلك يُعنى بالدول وعلاقاتها ومصالحها وأهدافها الكبرى، انتبه أهله الى استحالة التفاهم مع حالة أنانية مشهودة ومألوفة بالمتنطحين للعب أدوار أكبر من أحجامهم، وحمل مهام أكبر وأخطر من قدراتهم الفعلية.. والى خطورة ترك مصالحهم وتفاهماتهم العابرة للحدود والدول في أيدي هاوٍ هوائي لا يجد شيئاً أهم من نفسه. ولأجلها يمكن أن تدور في أي لحظة، ماكينة المدافع ويلعلع الرصاص وتُحطّم الأسوار والبنى.. وما الى ذلك من أداء "لا يتناسب إطلاقاً" مع عمل المؤسسات ونصوص القوانين والاتفاقات والمعاهدات الدولية.

يكون معك اليوم بشراسة إذا افترض ان مصلحته وحده تحكم بذلك. ويصير ضدك غداً وبالشراسة ذاتها إذا وجد ان مصلحته وحده تحكم بذلك.
النافخ في الكير. ما عاد عنده غير ذلك الغليل ليشفيه. وحتى في هذا يتعثر في خطاه. لا ينتبه الى أن "الواجهة" لا تقرر. وساعي البريد لا يكتب الرسائل التي يحملها. وان الوكيل لا "يحسم" بدلاً من الأصيل.. وأن البالف والنافخ انكشف أمام الجميع وما عاد عنده من يكاتبه.. ثم بعد ذلك بقليل، ان الفتنة محرقة كبيرة وكبيرة جداً، وأكبر بالتأكيد من مجرّد حطّاب حرتقجي صغير، لا يُحسب له حساب عند الحديث عن الكبار!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل