كتب أسعد بشارة في "الجمهورية":
في السنوات الثلاث الماضية، تحرّك كبرياء الرئيس سليمان مرّتين، الاولى عندما نُشر ويكيليكس، والثانية عندما "تمرّد" أشرف ريفي.
الرئيس التوافقي الذي سَمّته قوى 14 آذار للرئاسة، والذي ناصبَه العماد عون الخصومة منذ اللحظات الاولى لتسميته، بدا خلال السنوات الثلاث توافقيا بقبول من طرف واحد، وبمشاغبة حتى التعطيل من الطرف الآخر، لا بَل بتحرّش مستمر من هذا الطرف لم يصل بالرئيس ولو لمرة واحدة الى حد إظهار الكبرياء المجروح، مع أنّ هذا التحرّش تطاول بشكل فاضح على هَيبة الرئاسة الاولى وعلى هيبة الدولة وكرامتها، وما حادثة إخراج اللواء جميل السيّد من حرم المطار بالعراضة الامنية وبالحضور السياسي لنواب التكتل الذي يدّعي الحرص على تطبيق القانون، سوى احد الأمثال الصارخة على ان الرئيس سليمان كان أوّل المستهدفين بكرامته وكبريائه، ويتذكر الجميع ان وزير الداخلية زياد بارود اضطر مساء ذلك اليوم الأسود ان يبرر انتهاك حزب الله وحلفائه للمطار، ولجهاز أمنه التابع لوزارة الداخلية. وبَدلَ ان يحيل هذا الاجتياح الأمني للمطار الى القضاء، وبَدل ان يسائل مَن سَمحوا بهذا الانتهاك، إذا به يتحايَل على الحقيقة ويختزلها برواية مَفادها أن مرافقي النواب هم مَن دخلوا حرم المطار وليس جهاز أمن حزب الله. وبالطبع، كان حزب الله يومها أوّل مَن لم يصدق هذه الرواية التي فيها من تسطيح الحقيقة، ما يكفي لإطلاق موجات لا تنتهي من الضحك والاستغراب في آن.
وعندما تمرد قائد الدرك السابق العميد أنطوان شكور ولم ينفذ أوامر الوزير بارود, ثم زار عون طالبا دعمه ولم يرد على الرئيس ميشال سليمان.
وحكاية فخامة الرئيس مع انتهاك كرامة الدولة، لم تبدأ مع تسلّمه مهام الرئاسة الاولى، بل مع معايشته اللصيقة للأحداث المتلاحقة التي تعرّض لها أثناء توَلّيه قيادة الجيش، بدءا من قراره الشجاع في 14 آذار 2005 الذي حَمى بموجبه التظاهرة، على رغم تحذيرات حملت طابع التهديد وَصَلته من داخل الحدود وخارجها، ومَرّت بمحاولة حرق ترشيحه غير التوافقي في مظاهرة التقنين الكهربائي في الشيّاح، التي اضطر بعدها لزيارة حارة حريك، ذلك على رغم ان الجيش صُوِّر على انه المعتدي فيما كان الضحية، وعرّجَت على السابع من أيار الذي حوّل قائد الجيش الى متفرّج على اجتياح عسكري لبيروت والجبل، وانتهت بالأمس القريب بعراضة القمصان السود في شوارع بيروت التي أجبرت الرئيس على القبول بالامر الواقع، بعد تأجيل غير مفهوم للاستشارات النيابية.
وبعد كل هذه الأحداث الجِسام التي حصلت تحت ناظرَي الرئيس، والتي لم يستوجب اي منها تحرّك القضاء، او اتخاذ موقف او قرار حتى للتاريخ، اصبح من الواجب تطبيق قانون الانضباط العسكري على الضابط "المتمرّد" أشرف ريفي. فهذا الضابط هو الذي قاد انقلاب السابع من أيار، وهو الذي نظّم عراضة القمصان السود، وهو الذي عطّل مسار الدولة، وهو الذي اقفل مجلس النواب، وهو الذي هرّب الجُناة الذين قتلوا اربعة من عناصر الجيش اللبناني في البقاع. وهذا الضابط هو مَن صرّح في السابع من أيار بأنّ القطار اصبح على السكة، وهو مَن دعا لمعاقبة مَن أرسل الضابط الشهيد سامر حنا الى تلة مليخ.
وفضلا عن ذلك، فإن اشرف ريفي هو نفسه مَن حوّل مؤسسة قوى الامن الداخلي، من مؤسسة فاعلة الى جهاز غير مرتبط بالإرادة الوطنية، وهو الذي أخفق في اكتشاف ضلوع فتح الاسلام في تفجير عين علق، وهو من جَبنَ عن اتخاذ القرار باقتحام شقق فتح الإسلام في شارع المئتين، وهو من اخفق في اكتشاف الشبكات الاسرائيلية، وهو من أدّى أسوأ مهمة حين كلّف بمواكبة عمل لجنة فيتزجيرالد التي تبَنّت تحقيقا كاملا عن مسرح جريمة اغتيال رفيق الحريري، وهو من وضع عبوّة التفجير التي كادت تغتال سمير شحادة، والتي أدّت الى استشهاد وسام عيد. وهو، على الصعيد الوطني، مَن أخَلّ بالتوازن داخل مؤسسة قوى الامن الداخلي، الى درجة رفع فيها الخلل الطائفي في عديد هذه القوى من 25 الى 42 في المئة لصالح المسيحيين.
بعد كل هذه الإخفاقات التي ارتكبها الضابط المتمرد، جاء وقت العقاب، فهل تنبّه الرئيس الى ان الطلب الى وزير العدل بمعاقبة التمرّد كان مصيدة أعِدّت بعناية كي يقع فيها العهد في السنوات الثلاث المتبقية، عبر اضطراره لاختيار الواقعة الأقل رمزية للتمرّد كي يقوم بمعاقبتها، وتجاهل الانقلاب الفاضح على الدولة في السابع من أيار وفي اقتحام المطار وانتشار القمصان السود؟ وهل تنبّه الرئيس الى أن الضابط المتمرد كان زاره قبل أيام من انفجار قضية الشبكة الصينية، طالبا اليه، باعتباره رأس الدولة، بأن يفرج الوزير المُسَيّس عن معلومات الاتصالات كي يستطيع الضابط المتمرد إكمال مهمته في كشف قضية الأستونيين؟ وهل سأل الرئيس الوزير إيّاه عن سبب حَجبه لهذه المعلومات عن قوى الامن وإعطائها لجهة حزبية؟ وهل اقتنع الرئيس بسلوك الضابط المتمرد بأن جهة خارجية طلبت من الوزير حَجب المعلومات بعدما استطاعت قوى الأمن فك ألغاز الاختطاف ومعرفة مصدره؟ ألا تستوجب كل هذه المخالفات مساءلة الوزير قضائيا؟ ألا تستوجب كل الأحداث الامنية الجسام التي وقعت تحت أنظار الرئيس تحرّك القضاء وتحريك مشاعر الكبرياء؟
بعد ثلاث سنوات من عمر العهد، باتَ أصدقاء للرئيس ومقدرون لِدَوره يتساءلون: هل كان النموذج الذي فرضه حزب الله وحلفاؤه في التعامل مع الرئاسة، أي نموذج الضغط والحصار والاستهداف بالحملات، هو النموذج الأمثل؟ وهل كتب على الداعمين الفعليين للرئيس ولعهده أن يدفعوا ثمن هذا الدعم؟
ليس سِرّا أن اكثر هؤلاء الداعمين وجدوا في قرار الرئيس تحريك القضاء لمعاقبة الضابط المتمرد، قضية رأي عام تخطّت كل الاعتبارات المسلكية، قضية ستجعل من العقوبة وساما على صدر اللواء اشرف ريفي.