#adsense

أهرب اليكِ – (بقلم أرزة بو عون)

حجم الخط

أن نحبّ يعني أن نحبّ من دون غربلة! نحن لا نفعلها. نغربل ندوزن ندرس الموضوع بدقة، ثم نقرر: نحبّ ذاك ونكره ذلك. أنا أفعل هذا. كلنا. لكني أبوح، غيري لا. انظر الى صورة السيدة العذراء في حريصا، الموزعة حديثا على الهواتف النقالة. خيال أبيض لسيدة لبنان في مقابل التمثال. أريد أن أقتنع بانها اعجوبة، انها ظهرت والناس فوق ساجدة في الكنيسة الصغيرة المتواضعة، وتحت أقدامها في الساحة العابقة بالايمان. لا أعرف ما اذا كانت صنعت من أجلنا اعجوبة جديدة، ما اريده في الواقع… أو الاصح ما نريده، هو الهروب اليها. الهروب من كل شيء. من حب يعذّبنا. من كره يضنينا. من أصوات نشاز تنخر الاذان كنقّار الخشب. من السياسة، من حسن نصرالله خصوصا، من شربل نحاس وتكتله (هذا نموذج صارخ عن الغربلة)، من مشاهد الفوضى المدروسة، من مشاريع مبيتة للبنان بلا مؤسسات. من جمهورية فاقعة غير شرعية واضحة المعالم والاسلحة، تنخر الجمهورية الاصلية التي بدأت تفقد معالمها. من أراض تباع وجبال تحولت الى كهوف للحديد والمدافع… من صور الاطفال القتلى في شوارع العرب. سوريا. حمزة الخطيب. آآآف مشهد مروّع. طفل في الـ 13 ربيعا مخصي مقطّع الاوصال والاقدام. مروّع… الهروب مما يحاك يوميا على عدد الانفاس لخطف أنفاس هذه الارض.

عجيب! كم سنة، كم دهر، كم عمر بعد ستتعرض هذه الارض للتجارب، لتعرف مقدار حب العذراء لها؟!

ليست هنا المشكلة. المشكلة، كم تجربة، كم خطر، بكم نار بعد سنحرق حالنا، لنعرف كم تحبنا هذه الارض، وكم ترفض التخلّي عنا في عز تخلّينا عنها؟!
أكتب وأعرف ان كتابة الوجدانيات، لا تلقى الصدى المطلوب. الناس تحب الشتيمة. تحب نشر الغسيل الاسود. تحب "البرش"، لكن وكلما صعدت الى حريصا تنتابني كرايز الحقيقة. اصبح في مواجهة مباشرة وشرسة مع نفسي، ويبدأ الصراع وقطع الوعود أمام تلك السيدة، الضوء الحياة، وعندما أعود يقع نصف تلك الوعود على الدرب، واخرى في النسيان، واخيرة في الرغبة الجامحة الدفينة، للمارسة السلبية.

أقول أحيانا، ليتني لا أكتب كي لا يعرف أحد ما اضمر. قول يتناثر أيضا ما أن اصفق باب السيارة وانا عائدة من حريصا. والامر نفسه يحصل بعد العودة من عنايا حيث مار شربل. لا أفهم هذا التفاوت بالمشاعر حين نعود من زيارة لمكان مقدّس. هل النظر محرّض للمشاعر النبيلة الكبيرة، ام هو سحر المكان وساكنيه؟ هل نكتب بالعين ام بالاحساس؟ هل الخوف على لبنان يتأجج فقط عندما نرى أيدي السيدة العذراء ممدودة الينا، بينما أيادينا غالبا منكفئة؟ لما كل هذا الصراع لا يحصل، الا عند زيارة حريصا أو ما شابه؟

كتب لي صديق ذات يوم بضع كلمات قليلة، لكنها ساحرة ومعبّرة، قال لي ان "العيون ما بتصير عيون حتى تصير تسرق النظر وتعشق وتستحي وتحب وتخاف حدن يشوفا ويعرف انها بتحب"… صحيح. عند اقدام العذراء نسرق عيونها، ونعشق طهارتها، ونحب أكثر، ونخجل أن نعبّر عن فيض العواطف، ونخشى ان يكتشف اخرون ضعفنا عندما نحب، ونخشى ان يكتشفوا اننا نحبهم ونغفر لهم ولحالنا، لكن وعندما نعود، نعود الى ما كنا عليه، الى عزّ الضعف، نكره نحقد نكابر… وننسى يد العذراء الممدودة.

أترك حريصا وأعود الى أرض الواقع. صراع في مجلس النواب على خلفية ما حدث في العدلية. وزارة الاتصالات سلاح بيد ملوك السلاح. اليونيفيل تلقى انذارا دمويا. الجنوب نار مؤجلة. لبنان في فكّ الخطر… هل يجب أن نبقى في حريصا لنشعر بالحب بالامان؟ اليس أسهل لو نقلنا حريصا معنا، بعضا منها الى كل لبنان؟!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل