#dfp #adsense

فوق الجسر

حجم الخط

سألت مجلة "لوبوان" الممثلة جين فوندا، ماذا تفعل هذه الايام، فقالت: "أتابع أحداث العالم العربي". ولكن كيف يمكن أحدا أن يتابع هذه الايام أحوال وأهوال العالم العربي، الموزعة على المدن والميادين والشاشات والمستشفيات وقارعات الطرق؟ في صعوبة شديدة. واذا كنت عربيا لا مراقبا، فأيضا في خوف، وغالبا في هلع، ودائما في ألم. هذه هي اللحظات التي تقف فيها البلدان فوق جسر العبور، قبيل وقوع الزلزال: هل يقع قبل أم بعد؟

يقول أهل القرى، ثلاثة لا ينامون: الجائع والخائف والبردان. وثمة خوف وبرد وجوع على مدى الأمة. في تونس، حيث احترق محمد البوعزيزي بفقره، لا تملك الدولة رواتب الموظفين لهذا الشهر. في مصر، حيث ينام رموز الفساد في ليمان طرة، انخفض الاحتياط على نحو مقلق. في سوريا يتبخر ما تحقق من ازدهار حديث. وفي اليمن يحرق علي عبدالله صالح مدن البلاد وينتظر ان يمد اليه نيرون بالكمان لكي يعزف عليه نشيد الرماد.

عاش "عصر الثورة" في أوروبا من 1789 الى 1848، كما يرى المؤرخ البريطاني الشيوعي، اريك هوبزباوم. ويرى المحللون اننا نعيش الآن مرحلة ما بعد 1848. لكن هذا تبسيط المقارنات. والمقارنة أدب لا علم. وإبحار في الاستعارة من أزمات وحالات ماضية. أما الحقيقة فاننا لا نشبه سوى أنفسنا. فأوروبا النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان يحركها العصر الصناعي والصراع الطبقي وآداب ديكنز وغوغول ودوستويفسكي، في حين أننا لا ننتمي الى أي تطور علمي إلا في باب الاستهلاك، وأما التجارب الفكرية التي عرفتها أوروبا، كالاشتراكية، فقد أممت في العالم العربي وجعلت مثل أي عربة خيل. وفي الفكر القذافي الاخضر ان البيت لساكنه والمركوب لراكبه. حصانا كان أم بلدا.

ما جرى حتى الآن ليس ثورات بل اسقاط أنظمة متداعية لا يأسف عليها سوى فاحشي السلطة والمال. فانجازها الوحيد كان اعتزازها بالبراعة في كمّ الافواه. ولذلك يبدو المستقبل المجهول، على رعبه، كأنه أفضل بل أجمل من الماضي المعلوم.

أين نحن في ترتيبات هذا الزمن؟ نحن خوف بلا أمل. نظام تحلل من دون اعلان. صباح الاحد الماضي عرض الوزير غازي العريضي مع دوللي غانم في "نهاركم سعيد" لبلد لا مكان للسعادة فيه. أبلغنا الرجل، في جرأته الادبية المعهودة، أننا في مأزق وطني وقومي وليس سياسيا إلا في ظاهره. سطحيات طافية فوق المستنقع الآسن تختبىء طبقات عمق رديء ومتردٍ. فالعجز عن القيام بحكومة، من أي معيار، علامة استهتار عام بالدولة، لا بالوزارة. مأزق لا أزمة عابرة.

كان ماو تسي تونغ يعيش هاجس غزو يقوم به السوفيات في أي وقت. وفي الفكر الصيني ان الدولة التي لا حكومة لها لا شرعية لها. لذلك وزع جميع وزرائه على أنحاء البلاد، مستبقيا الى جانبه في العاصمة، الرفيق المذهل، شو ان لاي. وعندما هاجم صدام حسين الكويت اتصل الملك فهد بن عبد العزيز بالشيخ جابر الاحمد وألح عليه بالمجيء فورا. ورد الامير بالقول: هذه أرضي وأموت عليها. فقال الملك: هذا ما يريده صدام. فاذا أباد الحكومة أباد الشرعية.
عندما تعجز الشعوب عن تشكيل حكومة في أرضها، تقيم حكومات حتى في المنفى.

فالدول التي عصف التغيير بنظامها، سارعت بتشكيل حكومة انتقالية، تدير شؤون الدولة وتصرّف أمور الناس. مهما بلغت الهرطقة السياسية أو عدمية الانقسام في بلد ما، لا يمكن ان يبقى من دون حكومة، تمثل الناس في الداخل والدولة في الخارج.

تبلّد الناس في الداخل على عدميات السياسيين فلم يعودوا يسألون عن الدولة، وتعوّد الخارج عدم وجود الدولة فلم يعد يسأل عنها. ظل هذا وضع بولونيا طوال القرن الماضي، وحتى انهيار الشيوعية في اوروبا عام 1989. بلد في ممر العواصف يضمه الروس ويحتله الالمان ولا يسأل عنه الآخرون. من يرم بلده على القارعة يلقه على الطريق.

أراد الجنرال لافاييت الحرية لجميع الشعوب في كل مكان. فقد اكتشف الفرنسيون، بعد عقود قليلة على الثورة، أن الحرية ليست مجرد شغف محلي ونزق فرنسي آخر، وانما هي حق بشري يجب تعميمه على الشعوب. رأى لافاييت أحرار بولونيا يتململون فكتب الى بالمرستون، رئيس وزراء بريطانيا يسأل: "وبولونيا؟ ماذا عن بولونيا؟". "لا شيء. لا شيء" رد البريطاني البارد، فمن هو العاقل الذي يريد القفز بكامل وعيه الى منابع الفوضى ومسارب التحاقد؟

دمرها هتلر في الطريق الى روسيا ومزقها ستالين في طريقه للانتقام منه. يسمى هذا في تدوين التاريخ، سوء حظ جغرافيا وسوء طالع تاريخيا. عندما يصل جيفري فيلتمان ومعاون وزير خارجية ايران الى بيروت في يوم واحد، ويقابل كلاهما رئيس الوزراء المكلف، قد يخطر للمواطن الساذج، ان المسألة أبعد من وزارة الداخلية. وأقرب الى زمن الثورات، وما يثير في فضاء الشرق الاوسط من مخاوف واحتمالات ومجهولات.

زمن الثورة والابحار من مرافئ متداعية، غير صالحة للرسو، نحو مرافئ لم تقم بعد. وأمانحن، في وسطها، فمثل "الهولندي الطائر"، السفينة الملعونة التي تدور حول رأس الرجاء الصالح ولا تجد ميناءها. فقد انتشر عليها الطاعون ولم يعد أحد يرضى باستقبالها. هناك فزاعات للأطفال وفزاعات للكبار. نحن فزاعة الاثنين.

في زمن غابر، كنا قدوة الاثنين، وكلما تأملنا الحاضر طلبنا النجدة مما مضى. أسعفتنا الاسبوع الماضي ذكرى مئويتين: الاولى، مرور قرن على صدور "كتاب خالد" لأمين الريحاني، الذي ترك نول العائلة في الفريكة ليكتب لنيويورك بالانكليزية. أراد ان يوحد اللبنانيين ضد الحكم التركي، وطفق يجول في الجزيرة العربية على ظهر جمل، يريد أن يوحد العربان، وأن يحذرهم في العشرينات مما سيحدث لفلسطين أواخر الاربعينات. واتخذ الماروني القادم من جبل لبنان وديار المتصرفية، اتخذ لنفسه دور الوسيط بين الملك عبد العزيز والحسين شريف مكة. وطاف يقدم النصائح للشيخ خزعل وللخاتون غيرترود بل في بغداد.

المئوية الأخرى كانت لولادة سعيد عقل، صاحب "أشياء الجمال" كما وصفه حواريه جوزف صايغ. كم بدت زحلة صغيرة أمام من أعطت. وكم بدا لبنان قليلا أمام مفتونه. وعذرا على الاستعارة منك: ألستَ القائل، جمالك وافر وفمي قليل؟

زمننا قليل، يا تلة الشعر وسهول النثر. عندما تضن الاوطان بالعبقريات، تتحول الارض مجرد مساحة جغرافية. أو متهافتين يبحثون عن حكومة، لا عن دولة. لقد عرفت كيف تعمّر لنفسك لبنان لا وجود له. هنيئا لك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل