بين الدعوة إلى تعديل الطائف ومضاعفات أزمة الاتصالات
تعقيدات مسيحية وسط صراع المحاور الداخلية
وقع الموقف الذي اعلنه أخيراً البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من اتفاق الطائف معتبرا "انه ليس منزلا فاذا ارتضيناه في حينه فانه يوجد الكثير من الثغر" في غير الظرف ولا التوقيت الملائمين بغض النظر عن صوابية هذا الموقف. فالموقف أتى في ظرف معقد وخطير في النزاع السياسي وغير السياسي في الداخل بحيث أوحى ان بكركي دخلت بدورها في معمعة اطلاق المواقف الانفعالية او من دون حسابات المرحلة وتعقيداتها في ظل تساؤل كبير طرحه البعض عما يمكن ان يكون عليه موقف بكركي التي تدعو الى فتح الباب أمام تغيير اتفاق الطائف في هذه المرحلة من المثالثة في الحكم التي قد يطرحها أفرقاء آخرون، وأي معمعة يمكن ان يدخل فيها لبنان بدعوة الى درس اتفاق الطائف لتعديله اذا كان لبنان لا يستطيع تأليف حكومة حتى من لون سياسي واحد؟ وتاليا فان هذا الموقف لم ينزل بردا وسلاما على قلوب افرقاء سياسيين وجدوا ان ما قاله البطريرك ليس مناسبا في هذا الظرف. ومع ان موقف بكركي حديثا من جملة امور يثير اشكاليات لا يعلن عنها ما دامت تدخل حتى الآن في باب تموضع البطريركية المارونية في ظل البطريرك الجديد، ووجود فترة سماح حتمية كما لدى تسلم اي مسؤول مهمات منصبه، فان مثار التساؤل يتصل بما اتفق عليه في اللقاء الرباعي المسيحي الذي عقد في بكركي ويمهد لآخر اكثر شمولية هذا الاسبوع ايضا من ضرورة بقاء الافرقاء المسيحيين بعيدين من اتخاذ مواقف تتصل بأي طائفة من الطوائف الاخرى وتضعها في موقع نقيض او خلافي معها. ومع ان لا صلة لمواقف البطريرك الماروني بالازمة السياسية المستجدة على وقع الازمة التي فجرها وزير الاتصالات، فان هذه المواقف من حيث اراد البطريرك الراعي او لم يرد شكلت عاملا رافدا للازمة خصوصا مع دخول الافرقاء السياسيين المسيحيين ايضا على الخط بين رافض لتعديل اتفاق الطائف كما قال الدكتور سمير جعجع ومرحب به كما قال العماد ميشال عون.
والاسئلة تطاول عوامل اخرى في ظل ازمة قديمة جديدة فتحت بين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وقوى 14 آذار على خلفية تأجيل جولة الاستشارات النيابية التي ادت الى الافساح في المجال امام اكثرية جديدة دفعت بالبلاد الى الفراغ. وهذه الازمة هي التعثر في معالجة ملف وزارة الداخلية وما نجم عنها بين وزير الداخلية زياد بارود والمدير العام للامن الداخلي اشرف ريفي بحيث ان تفاقمهما يهدد بمضاعفات. فمن جهة فان الطائفة السنية حساسة جدا حيال موضوع اتفاق الطائف في ظل حملة تتواتر بين مد وجزر متواصلين تضمر بالنسبة الى كثر تغيير المعادلة السياسية في البلد ولا يمكن حتى الرئيس المكلف نجيب ميقاتي ان يكون خارجها باعتبار انه من اشد المدافعين في ادبياته خصوصا ابان الاشهر الاربعة الماضية من مخاض تأليف الحكومة باصراره على تطبيق الطائف. ومن جهة اخرى فان اسلوب معالجة موضوع وزارة الاتصالات بدا انه ادخل الرئيس سليمان في محاور او صراع الافرقاء ولو من باب اسباب موجبة بالنسبة اليه طغى عليها عامل الانفعال ورد الفعل اللذين طغيا بدورهما على كل من تناول هذا الملف على نحو مباشر اي الوزير بارود ووزير الاتصالات شربل نحاس كما اللواء ريفي الذي لم يفترض فيه ان يطلق مواقف لم تكن مناسبة في رأي كثر في حين ان الوزير بارود فاجأ اوساطا سياسية عدة بالخطوة التي اقدم عليها من حيث توقيتها في الظرف الراهن، والتي ساهمت في تصعيد الازمة مما اضطر رئيس الجمهورية الى التدخل فيها، ولو ان ذلك فتح الباب على انتقادات للرئيس سليمان من باب انه لم يسبق له التدخل في ازمات اتخذت ابعادا اكثر خطورة. كما ان وزير الاتصالات افتعل مشكلة في الوقت الضائع في وجود حكومة تصريف الاعمال لاسباب تثير تساؤلات كثيرة عن خلفياتها ومراميها ايضا.
وتقول مصادر عليمة ان اتصالات جرت في الساعات الماضية مع رئيس الجمهورية من اجل محاولة معالجة الموضوع بعيدا من المواقف المعلنة التي تساهم في اذكاء الخلافات وتسعيرها. ويبدو ان الزيارة الاخيرة للرئيس فؤاد السنيورة صبت في هذا الاطار انطلاقا من تطويق مضاعفات ما حصل ومنع تطور الامور. وتقول مصادر مطلعة ان الازمة الاخيرة في وزارة الاتصالات آيلة الى اللملمة خصوصا انها اخذت مداها من حيث ردود الفعل والمواقف التصعيدية. والمضي في الاغراق فيها قد يقود الى وضع سلبي يتحمل مسؤوليته المسؤولون جميعهم باعتبار انه يفترض بالمسؤولين الكبار ايلاء الاحتمالات الخطرة التي تبرز من الجنوب مع موعد 5 حزيران المرتقب او من الشمال اهمية اكبر من الوقوع في فخ النزاعات بين الافرقاء. فضلا عن ان المضي في بعض الخطوات المعلنة من شأنه ان يؤدي الى توسيع شقة الخلاف مع رئاسة الجمهورية من خلال استدراج مواقف طائفية وسياسية ترفض هذه الخطوات خصوصا ان اداء مماثلا لافرقاء آخرين لم يلق رد الفعل نفسه من جانب رئيس الجمهورية.