يجب على الطبقة السياسية بجميع أطيافها الاعتراف بأن "حزب الله" يعمل وفق رؤية بعيدة المدى للإمساك بجميع مفاصل الحكم في لبنان. إن مراجعة لتسلسل الأزمات السياسية اللبنانية منذ انسحاب الجيش السوري تعطي صورة مسار تصاعدي يتقدم فيه "حزب الله" نحو الإمساك بالرئاسات الثلاث.
لذلك يجب على اللبنانيين التعامل مع حقيقة أن معركة "حزب الله" لن تتوقف حتى يتمكن من تنصيب رئيس جمهورية جديد يدور بشكل كامل في فلكه السياسي. فتجربة الرئيس التوافقي والوسطي هي تجربة فاشلة بنظرهم.
ويبدو أن تسارع الأحداث في سوريا والمنطقة فرض على "حزب الله" تقريب موعد إنجاز خطته. "فانتخاب" رئيس جديد لا يبدو بعيداً إذا تمكن فريق 8 آذار من إجبار مجلس النواب على عقد جلسة تشريعية بغياب حكومة حائزة على ثقته. وقد بدأت معالم المرحلة المقبلة بالظهور يوم الاربعاء الماضي بناء على ما سرب من بكائيات نواب 8 آذار ورئيس المجلس على الوضع الاقتصادي القاتم الذي يزيده الفراغ الحكومي قتامة. والسؤال الذي يطرح نفسه حين نقرأ ما سرّب في صحيفة "السفير" عن ما قيل بعد إطفاء آلات التسجيل في مكتب الرئيس بري يوم الاربعاء هو التالي:
أين كان حرص الرئيس بري وفريق 8 آذار على الاقتصاد الوطني، حين أقفل المجلس النيابي ثلاث سنوات وحين افترشوا وسط بيروت وقطعوا أرزاق عشرات الآلاف من اللبنانيين وفوتوا على لبنان فرصة الاستفادة من الفورة الاقتصادية بين 2005 و2008؟، هذا بالطبع بالإضافة الى أفضال انتصارات 2006 وأيار 2008 على اقتصاد ومستوى معيشة جميع اللبنانيين.
لذلك، يجب على الجميع التنبه بأن التخبط الظاهر في الأداء السياسي للأكثرية الجديدة يجب أن لا يخفي أن هذا الفريق يعمل وفق استراتيجية بعيدة المدى ولأهداف لا تقل عن وضع اليد على الحكم في لبنان بشكل كامل.
فعند كل مفترق طرق تبدو الطبقة السياسية اللبنانية عاجزة عن فهم منطق "حزب الله" وهذا ما صرح به وليد جنبلاط أخيراً.
إن عدم فهم منطق "حزب الله" ينبع من كون الحزب يتبع منطقاً سياسياً متحركاً بحيث تتغير المعادلات السياسية تبعاً لمتطلبات المعركة. وفي ما يلي أمثلة تلقي الضوء على الطبيعة المتحركة لمنطق 8 آذار السياسي والذي يشير خطه البياني المتصاعد الى أن الهدف النهائي ليس أقل من السيطرة على لبنان عبر السيطرة على رئاساته الثلاث. نورد ما يلي أمثلة عن ذلك:
فوز 14 آذار بحوالي 60% من مقاعد مجلس النواب اللبناني خلال دورتين انتخابيتين تساوي بمنطق "حزب الله" أكثرية وهمية مسروقة ضعيفة ولا تمثل حقيقة تطلعات الشعب اللبناني وبالتالي غير قادرة على تشكيل حكومة بمفردها بمعزل عن 8 آذار.
أكثرية أربع نواب أخذت تحت رايات القمصان السود تساوي بمنطق "حزب الله" أكثرية حقيقية ممثلة وقادرة على بناء الدولة القوية القادرة والعادلة وقادرة على تشكيل حكومة بمفردها.
زعيم وطني منتمي الى 14 آذار يساوي بمنطق "حزب الله" كاذباً وسارقاً ولو كان الغدر رجلاً لسمي على اسمه.
نفس الزعيم تحت راية 8 آذار يساوي بمنطق "حزب الله" زعيماً وطنياً صادقاً ومقاوماً.
الثلث الضامن لفريق 8 آذار المطلوب لتأليف حكومة برئاسة سعد الحريري يساوي بمنطق "حزب الله" 11 وزيراً من أصل 30.
الثلث الضامن المطلوب لتأليف حكومة برئاسة نجيب ميقاتي يساوي بمنطق "حزب الله" لا شيء.
حكومة قائمة بأغلبية ثلثين من أعضائها تساوي بمنطق "حزب الله" حكومة فاقدة للشرعية والميثاقية يقفل مجلس النواب بوجهها ثلاثة أعوام.
حكومة مستقيلة بوجود رئيس مكلف ورئيس حكومة تصريف أعمال تساوي بمنطق "حزب الله" حكومة يستطيع أن يجتمع مجلس النواب للتشريع بوجودها.
والأمثلة كثيرة ولا نستطيع ذكرها في هذه العجالة.
إن احتمال تغيير النظام السوري يدفع "حزب الله" الى التعجيل بإنجاز المرحلة الأخيرة من خطته وبالتالي إسقاط رئاسة الجمهورية تمهيداً لانتخاب رئيس جديد بالنصف زائداً واحداً إذا اقتضى الأمر، فللضرورات أحكام!
وهذا الاحتمال يطرح أسئلة على كل الأطراف الفاعلة في لبنان، ماذا سيكون موقف الجيش اللبناني؟ ماذا سيكون موقف وليد جنبلاط بصفته مالك الأصوات المرجحة؟ ماذا سيكون الموقف الدولي من تحول لبنان الى دولة فاشلة (failed State)؟ ماذا تستطيع قوى 14 آذار أن تفعل لمواجهة هذا الاحتمال؟
لذلك، يجب على القيادات اللبنانية عدم التلهي بما يحصل على الصعيد الحكومي لأن الهدف الحقيقي هو رئاسة الجمهورية.
فإن "حزب الله" هو أذكى من أن يقع في خطأ قوى 14 آذار عام 2005 حين أدى ترددها في إسقاط الرئيس اميل لحود الى إجهاض ثورة الأرز.
ختاماً، قد يكون من المفيد على المدى البعيد إعطاء "حزب الله" وفريق 8 آذار فرصة حكم لبنان ليرى اللبنانيون نتيجة هذا الحكم ويقرروا إنهاء مرحلة زعيم زعماء مسيحيي الشرق وباقي أطراف الغالبية الجديدة في الانتخابات المقبلة.
اللهم إلا إذا هبط الوحي على المعنيين ووجدوا حلاً يؤسس لمرحلة جديدة تنهي معاناة هذا الشعب الذي لم يذق طعم الاستقرار منذ أربعة عقود، ويبدو أن المنطق المتحرك ذاته يسير به الى أزمة جديدة أعنف من سابقاتها.