ما يجري في المنطقة يفرض على القيادات الروحية عقد قمة إسلامية والخروج بموقف موحّد حيال ما يتعرّض له المسلمون من محاولات لتقسيمهم
كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء": إن سعي الطائفة الشيعية لتحقيق الوحدة الاسلامية ليس ظرفياً ولا هو وليد الساعة، بل إن هذه المحاولة هي قديمة العهد حيث بذل رئيس "المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى" الإمام موسى الصدر جهوداً مضنية لبلوغ هذا الهدف، وقد حقق الصدر بعضاً من هذا بالرغم من الطريق الوعرة التي مشاها، كون أن أطرافاً عدة في الداخل والخارج وقفوا ضد محاولته ووضعوا له العصي في الدواليب مخافة أن يصبح المسلمون كتلة واحدة تؤثر على امتيازاتهم ومراكزهم التي تبوأوها تحت المظلة الطائفية والمذهبية وكان هؤلاء ينتمون إلى مختلف الطوائف والمذاهب.
وقد نجح الصدر في ذاك الوقت من تقريب المسافات بين المذاهب الاسلامية عبر توضيح بعض المصطلحات وإزاحة هاجس الخوف من قلوب الذين كانوا قد تأثروا بأحداث حصلت منذ عدة قرون، وواصل "السيّد" هذه المسيرة إلى أن قضى الله أمراً كان مفعولا حيث غُيّب وهو في عز العطاء وقبل أن يكمل مسيرته الوحدوية التي كان يضعها في صلب اهتماماته، من منطلق أنه لن تقوم للمسلمين قائمة ما لم يتوحدوا ويصبحوا كالجسم الواحد إن اشتكى منه عضو تداعت له كل الأعضاء.
وقد تابع الراحل نائب رئيس "المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى" الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحلة سلفه، حيث دعا إلى أكثر من قمة إسلامية وكانت هذه القمم تخرج بنتائج إيجابية بالرغم من الأحداث التي كانت تعصف بلبنان والأيادي الخبيثة التي كانت تلعب من الداخل والخارج لتفتيت طوائفه ومذاهبه، وقد توّج هذا العمل الوحدوي في العام 1983 حيث أمّ مفتي الجمهورية الشهيد حسن خالد الصلاة في الملعب البلدي برفقة الشيخ شمس الدين وممثل شيخ عقل الطائفية الدرزية آنذاك الشيخ محمد أبو شقرا وذلك لمعارضة سلطة الرئيس أمين الجميّل التمييزية، وكانت هذه الصلاة بمثابة نواة يؤسس عليها لتحقيق هدف الوحدة بين المسلمين.
وإذا كانت العلاقة بين هذين المذهبين تدمّرت في بعض الظروف بنوع من الاختلاف في وجهات النظر حيال بعض القضايا الدينية والدنيوية، غير أن هذا الأمر لم يصل إلى حد القطيعة أوا لمواجهة، وقد حاولت الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية في مراحل سابقة بدأت بالحرب الايرانية – العراقية وتواصلت بعد أحداث الحادي عشر من تموز، ومن ثم غزو العراق والأحداث التي جرت في أكثر من موقع وصولاً الى الأزمة التي حصلت في لبنان بُعيد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تغذية النعرات الطائفية والمذهبية وقد نجحت في بعض الأمكنة على نطاق ضيق وفشلت فشلاً ذريعاً في أكثر من مكان، وهي ما تزال تبذل جهوداً من أجل تحقيق هذا الهدف الذي ترى فيه انتصاراً لمشروعها في الشرق الأوسط القائم على تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية متناحرة تكون فيها اسرائيل هي الأقوى.
هذا الهدف الاميركي – الصهيوني – الغربي قد تنبّه إليه العديد من القيادات الاسلامية سنّية كانت أم شيعية وعملوا على الحؤول دون تمدد نارها والسعي إلى إطفاء حريقها، وقد دعا في هذا الإطار الراحل السيّد محمد حسين فضل الله المسلمين السنّة والشيعة إلى تثقيف القاعدة الشعبية بثقافة الوحدة، وهو حذّر من الدور الذي تلعبه أميركا لضرب وحدة المسلمين من خلال إثارة الفتنة بين السنّة والشيعة، مشدداً على أن الحواجز التي تعمّق الفواصل بين المسلمين هي اليد الاستعمارية.
إن ما أسلفنا في الحديث عنه لجهة الموانع التي تحول دون تحقيق الوحدة الاسلامية ما تزال موجودة، وانطلاقاً من ذلك فإن المسلمين الشيعة في لبنان أكثر ما يخيفهم هو الوقوع في فخ الفتنة الطائفية والمذهبية، لأن هذا الوقوع في تقدير القيادات الدينية والدنيوية في هذا الفخ سيكون وبالاً على المسلمين وسيضع الدين الاسلامي في دائرة الخطر الشديد.
ومن هذا المنطلق ونظراً للأحداث التي تضرب الشرق الأوسط طولاً وعرضاً، فإن هناك سعي حثيث يجري في السر والعلن للابتعاد عن شرب هذه الكأس المرّة من خلال الدعوة إلى توعية جيل الشباب ونزع صواعق الفتنة التي تحاك في الليل والنهار بدءاً بالعراق ومروراً بالبحرين وانتهاء بلبنان وإن بنسب متفاوتة، سيّما وأن هناك من يستشعر خطر فتنة قادمة تحت عناوين مختلفة يجب العمل على تحصين الساحة الاسلامية لمواجهة رياحها العاتية، والتأكيد على أن هذه الوحدة هي النقطة المركزية التي يجب التركيز عليها في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، وفي ظل هذا الغزو العسكري والثقافي الغربي لبلداننا، وهذا الأمر سبق أن حذّر منه شيخ الأزهر حيث لفت الى أن هناك مخططاً جهنمياً لضرب وحدة السنّة والشيعة.
وتلاقي دار الفتوى المجلس الشيعي في العمل على درء الفتنة وتعزيز الوحدة بين المسلمين، وهي حذرت بالأمس من أي نشاط في المساجد تحت أي عنوان والدعوة الى نشر الوعي والأخاء بين أبناء الوطن الواحد وغرس قيم التسامح والتعاون.
وفي هذا المجال تتساءل مصادر عن موانع عقد قمة اسلامية في هذا الظرف طالما هناك إجماع على ضرورة تكريس الموقف الاسلامي ورفض الانجرار إلى الفتنة، على غرار قمم سابقة عُقدت في ظروف لم تكن تحمل المخاطر ذاتها التي نعيشها اليوم، موضحة أن هناك سعياً على قدم وساق للإيقاع بين المسلمين يجب أن يقابل بالمزيد من التماسك ووأد الفتنة لأن ما تتعرض له المنطقة خطير وأن أي حريق مذهبي سيندلع ستطال ألسنة ناره الجميع من دون استثناء.