كتب ريتا صفير في صحيفة "النهار": فيما تستعد بكركي لاحتضان اللقاء المسيحي الثاني بنسخته الموسعة، تتواصل المشاورات بين الأفرقاء في شأن المواقف من الملفات المطروحة على بساط البحث ولا سيما منها بيع الاراضي ووضع المسيحيين في ادارات الدولة. واذا كانت الدعوة الرسمية الى اللقاء تمت بناء على هذين الموضوعين الأساسيين، فان الاتصالات بين الاطراف، حزبيين ومستقلين، تركز منذ مدة على موضوع حساس فرضه تطور الاحداث محليا واقليميا، هو ملف التوطين.
الواقع ان مجموعة معطيات أعادت الاولوية الى هذا الملف، الامر الذي انعكس رفعا لمنسوب التنسيق في هذا الشأن. قد يأتي في مقدمها، تداعيات الخطاب الذي ألقاه الرئيس الاميركي باراك أوباما عن الشرق الأوسط والذي غابت عنه قضية اللاجئين. وما لبث أن استتبع بتكرار الموقف المتشدد لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتزامن مع توسيع اطار "تظاهرات النكبة" والتي انعكست تحريكا لـ"الجبهة" الفلسطينية، وسط ازدياد الخشية من مفاعيلها الامنية.
تتحدث مصادر متابعة عن "تسخين" لحركة الاتصالات الداخلية المعلن منها وغير المعلن حيال القضية. وفي وقت تنصب الجهود على توسيع المساحة المشتركة بين الاطراف المسيحيين، تمهيدا لتمتين قاعدة التوافق عشية لقاء بكركي، تنشط القنوات الديبلوماسية ذات الصلة – واولها طبعا الديبلوماسية الفاتيكانية – على اكثر من مستوى، انطلاقا من عنوان عريض حكم ويحكم توجهها. لبّه دعم القضايا العادلة للمسيحيين، فكيف بالاحرى في ظل الظرف الدقيق الذي تشهده المنطقة والتداعيات المحتملة لتقلبات "الربيع العربي"؟
عمليا، اثمرت حركة اللقاءات مجموعة خطوات مواكبة ضمن المؤسسات المسيحية، الدينية منها والمدنية. باكورتها إقرار الرابطة المارونية وثيقة التوطين التي تم العمل عليها بالتعاون مع المركز الماروني للابحاث والتوثيق في الاشهر الاخيرة. وفي وقت تتواصل التحضيرات لاطلاقها رسميا، تركز الاتصالات على تحديد مخارج سالكة لها، عبر رسم "خريطة طريق" كفيلة ببلورة موقف مسيحي فوطني موحد حيال القضية.
في خلاصة المشاورات الجارية، وفقا لمصادر حزبية، اكثر من اقتراح يحكم توجه المرحلة المقبلة. كأن يتولى افرقاء طرح الملف على لقاء بكركي ومن خارج جدول الاعمال، عبر التصويب على اهمية العمل على طرح متكامل يجمع المسيحيين واللبنانيين، ويمهد لتحويل قضية التوطين استراتيجية عمل جدية على المستوى اللبناني، الى المستويين العربي والدولي، مع تأمين الدعم المطلوب والكافي له.
واذا كان تأليف لجنة تنسيق بين المكونات المسيحية احدى الخطوات المرتقبة في المدى القريب، على ان تكون مهمتها توفير اجماع على ورقة مشتركة تنطلق من الوثيقة، فان التصور هذا يتكامل مع نقاش، بوصلته كيفية لم شمل بقية المكونات اللبنانية حول القضية، عبر دعوة بقية الطوائف الى حوار حول الملف.
وبالتزامن مع اقتراح اطراف تخصيص جلسة خاصة بالملف، تلي اجتماع الخميس، فان داعمي هذا المنحى يعززون مطالبتهم هذه بابراز، ربما للمرة الاولى، أوراق عمل جاهزة ومتكاملة في حوزة البطريركية.
ابعد من ذلك، يكشف مواكبون لحركة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عن مشاورات مسبقة مهدت لحركته مع الدوائر الفاتيكانية، وعكستها زياراته المتكررة الى الكرسي الرسولي وايطاليا. وهي زيارات حفلت في خلفيتها، بلقاءات سعت الى وضع الخطوط العريضة لمقاربة الملفات الاساسية ذات الصلة بالمسيحيين. وغني عن التذكير بالثقل المعنوي "لرسل" الديبلوماسية الفاتيكانية، وعلاقاتهم بعواصم القرار الغربية، فضلا عن المواقف الداعمة لوزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني لمسيحيي الشرق والتي ترجمت بمبادرات عدة قادتها بلاده في هذا المجال.
وفي مقابل الدور الذي تؤديه ايطاليا عبر مهمة حفظ السلام جنوبا والذي يعكس عمق العلاقات الثنائية مع لبنان، يسلط المتابعون الضوء على مجموعة مشاريع تعنى بالاقليات تعد لها الخارجية الايطالية العدة، على ان تساهم في دفع الملفات ذات الصلة وبينها اللبنانية قدما.
ووسط مؤشرات لوجود نوع من التعويل الاميركي – الاوروبي باعتبار ايطاليا "بوابة العبور" الغربية لمعالجة ملف المسيحيين في الشرق وخصوصا في لبنان، فان التعويل هذا ينطلق، بحسب المتابعين، من إلمام روما بدقة الملفات المطروحة، ويكلله حرص على التوصل الى رؤية متكاملة تعنى بالقضايا المسيحية الشائكة في المنطقة.
كذلك حضر هذا الملف في اللقاء الذي جمع السفير الفرنسي دوني بييتون بأعضاء الرابطة المارونية الأسبوع الماضي.
ولا شك في ان موضوع اللاجئين يشكل احدى الاولويات، في ظل اقرار ضمني بقدرة المسيحيين على ابعاد القضية من لعبة التوازن السني – الشيعي في زمن الثورات وتداعياتها. وهو ربما التوقيت الاسلم كي يعيد لبنان تظهير موقفه المتمسك بحق العودة كإحدى ركائز حق الشعوب في تقرير مصيرها.