في ماضٍ من الزمن الرديء، كان يُقال إن رئيس مجلس النواب نبيه بري هو أحد السياسيين المحنكين على الساحة اللبنانية. كلام مقبول في حقبة كان فيها يستطيع تدوير زوايا وجوده السياسي مع سلطة الوصاية من جهة، وصعود "حزب الله" من جهة أخرى.
اليوم، يحار المرء إذ أي شهادة يستطيع تقديمها للرئيس بري. فقد رمى رئيس حركة "أمل" في كلامه عن "ثورة الأرز"، وراء ظهره كل ما له علاقة باحترام الرأي الآخر، لا بل طعن بأكثرية الشعب اللبناني التي هبّت لنيل استقلالها في 14 آذار 2005، بل إنه طعن بدورتين انتخابيتين كان فيها هذا الشُعب يجدد ثقته بمشروع قوى الاستقلال.
لا يمكن الرد على الرئيس بري عبر فتح "ملفات" قديمة، طواها اللبنانيون في ساحة الشهداء، ولا يريدون العودة إليها تحت أي ظرف. لا بل على العكس، كم من الجميل أن نشارك الرئيس بري بقوله إن ثورة الأرز أعادت البلاد 60 سنة إلى الوراء.
أقلّه في ذلك الزمن، كان هناك وطنيون كثر لا ينتمون في ممارستهم السياسية الى ما وراء الحدود. والاستعانة بكمال جنبلاط وريمون إده وحميد فرنجية وغيرهم من ملوك ذلك الزمن، يفيدنا جميعاً. قد يفيد أساساً الرئيس بري. أقلّه كان لديهم من الطروحات والرؤى الوطنية ما يفتقدها كل من يجاهر بالعداء لقوى "14 آذار".
أمّا في حال فريق "8 آذار" والرئيس بري تحديداً، فلا يبدو أن دروس الماضي تعنيهم. كما ليس في قاموسهم من الشخصيات الوطنية من يستأهل التوقف عند تجربته، في حلوها ومرّها. كل ما هناك أن لديهم أجندة "كاملة الأوصاف"، فحواها: نحن أو لا أحد. المشاركة ممنوعة. التسلّط هو الأساس. الوحدة هي الخضوع. الدولة وظائف. المؤسسات وسيلة. الوطن ساحة.
رب سائل: كيف للمرء أن يحاور فريقاً كهذا؟ وماذا على اللبنانيين ان يفعلوا مع عقلية متمرّدة؟ ولماذا الدولة طالما الخروج عليها أصبح مدعاة فخر واعتزاز، لا بل ان الخروج عليها صار "مقاومة"!؟
مما لا شك فيه، أن من استمع إلى رئيس "حركة أمل" يتحدث عمّا فعلته "ثورة الأرز" بلبنان، يتذكر محطات كثيرة تلت هذه الثورة: "التحالف الرباعي" ونتائجه ، "الثلاثاء الأسود" ، "7 أيار"، "القمصان السود"، "عائشة بكار"، "برج أبي حيدر" و "عراضة المطار" .
وطالما أن برّي هو المتحدث، فالذاكرة لا بد لها أن تعود إلى حقبة أُقفل فيها مجلس النواب، وكأن لا قيمة للمواطن الناخب، قبل أن يكون هناك أي قيمة للنائب المُنتخب. في المحصلة، يا ليت الرئيس بري تذكّر أن اللبنانيين حكموا على تجربة "ثورة الأرز" في صناديق الإقتراع.
شتّان بين صندوقة اقتراع، وبيوت تُبنى على مشاع. شتان بين تعبير عن رأي حر وصريح بورقة، وبين تعبير عن نهج تسلّط تحت سطوة السلاح.
هناك مفارقة لا يعترف بها الرئيس بري، مفادها أن "ثورة الأرز" أسست لفكرة الدولة بعد ثلاثين عاماً من الغياب. أما الثورة المضادة فما أسست إلّا حقد وانقلاب وكراهية سينتظر اللبنانيون كثيراً للخروج منها. وفي الانتظار ما قد يُلهم البعض ممّن لا يرى في قوّته سوى ضعفاً في الآخرين، وفي أحاديته إلغاء لكل المختلفين.