الخميس السّادس من زمن القيامة
رسل 1:1-14
1 لقد دوّنت في الكتاب الأوّل، يا تيوفيل، كلّ ما عمل يسوع علّم، منذ بدء رسالته،
2 إلى اليوم الّذي رفع فيه إلى السّماء، بعد أن أعطى بالرّوح القدس وصاياه للرّسل الّذين ٱختارهم.
3 وقد أظهر لهم نفسه حيًّا بعد آلامه بكثير من الأدلّة، وهو يتراءى لهم مدّة أربعين يومًا، ويكلّمهم عن شؤون ملكوت الله.
4 وفيما هو يأكل معهم، أمرهم ألّا يغادروا أورشليم، بل أن ينتظروا فيها وعد الآب "الّذي سمعتموه منّيّ؛
5 أنّ يوحنّا عمّد بالماء، أمّا أنتم فسوف تعمّدون بالرّوح القدس بعد بضعة أيّام".
صعود يسوع
5 وكان المجتمعون يسألونه قائلين: "يا ربّ، أفي هٰذا الزّمان تعيد الملك لإسرائيل؟".
6 فقال لهم: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات الّتي حدّدها الآب بسلطانه الخاصّ.
7 لٰكنّكم ستنالون قوّة بحلول الرّوح القدس عليكم، وتكونون لي شهودا في أورشليم، وفي اليهوديّة والسّامرة، حتّى أقاصي الأرض".
8 ولمّا قال هٰذا، رفع بمرأى منهم، وحجبته سحابة عن عيونهم.
9 وفيما كانوا شاخصين إلى السّماء، وهو ذاهب، إذا رجلان قد وقفا بهم في ثياب بيضاء،
11 وقالا: "أيّها الرّجال الجليليّون، ما بالكم واقفين تحدّقون إلى السّماء؟ إنّ يسوع هذا الّذي رفع عنكم إلى السّماء سيأتي كما رأيتموه ذاهبًا إلى السّماء!".
الجماعة الرّسوليّة الأولى
12 حينئذ رجعوا إلى أورشليم من الجبل المدعوّ جبل الزّيتون، وهو قريب من أورشليم، على مسيرة سبت منها.
13 ولمّا دخلوا المدينة، صعدوا إلى العلّيّة، الّتي كانوا يقيمون فيها، وهم: بطرس ويوحنّا ويعقوب وأندراوس، فيلبّس وتوما، برتلماوس ومتّى، يعقوب بن حلفى وسمعان الغيور ويهوذا بن يعقوب.
14 هٰؤلاء كلّهم كانوا مواظبين على الصّلاة بنفس واحدة، مع بعض النّساء، ومريم أمّ يسوع، ومع إخوته.
شرح آيات الرّسالة:
1 لو 1/1-4؛ 24/19؛ رسل 1/22.
الكتاب الأوّل: هو إنجيل لوقا. والكتاب الثّاني هٰذا يكمّل الأوّل: تمَّ الحدث الخلاصيّ في يسوع (الكتاب الأوّل)، ويجب أن يُنادى به، مدى الزّمان والمكان، ليؤمن به جميع النّاس ويخلصوا (الكتاب الثّاني، أو أعمال الرّسل).
منذ بدء: بدأ يسوع رسالته العلنيّة، يوم ٱعتمد في الأردنّ (لو 3/23؛ رسل 10/37)، وقد تكون حياة يسوع كلّها، في نظر لوقا، البدء، وتستمرّ في حياة الرّسل والكنيسة.
2 لو 24/49-51؛ رسل 1/22؛ مرقس 16/19؛ متّى 28/19-20؛ 2 مل 2/9-11؛ 1 طيم 3/16.
رفع: رفع إلى السّماء. يرد الفعل نفسه 3 مرّات (1/2، 11، 22). يومُ ٱرتفاع يسوع ذروةُ أيّام يسوع الخلاصيّة، وبدء حياة الرّسل والكنيسة.
أعطى بالرّوح القدس: يمكن ربط هٰذا التّعبير لغويّا بجملة "رفع"، أو "ٱختار الرّسل"، أو "علّمهم وصاياه". وهو في كلّ حال تشديد على دور الرّوح القدس في ٱنتشار رسالة يسوع على يد رسله. كان الرّوح القدس في بدء عمل الرّسل، كما كان في بدء عمل يسوع (لو 4/1، 14، 18).
للرّسل: يعني بهم لوقا التّلاميذ الاثني عشر (لو 6/13)، رسل يسوع إلى العالم. ولٰكنّه يدعو بولس وبرنابا رسلًا (رسل 14/4، 14)، وبولس ساوى نفسه بالرّسل. أنظر شرح رسل 1/3، 22. قد تكون الكنيسة توسّعت أوّلًا في ٱستعمالها كلمة "رسول"، ثمّ حصرته باثني عشر.
3 رسل 10/40-41؛ 13/31؛ متّى 28/10؛ لو 24/36-43؛ يو 20/19-20، 26-27؛ متّى 28/18-20؛ لو 24/46-49؛ يو 20/21-23.
أربعين يومًا: لا يفصل لوقا، في إنجيله، بين حدث الصّعود وحدث القيامة (لو 24/51)، ويفصل بينهما هنا بأربعين يومًا، وهي فترة نموذجيّة وعَت فيها الكنيسة عمق حدث القيامة، وٱستعدّت لرسالتها. يفرّق لوقا بين ظهور يسوع لرسله، في هٰذه الفترة، وظهوره في ما بعد (7/55؛ 9/3، 10؛ 18/9؛ 22/17؛ 23/11)، ولا يفرّق بولس، فهو يعتبر نفسه رسولًا، لأنّه رأى يسوع، الّذي رآه بطرس والرّسل (1 قور9/1؛ 15/7-9).
ملكوت الله: هو ملك الله على الكون أجمع في شخص ٱبنه يسوع المسيح. كان نواة بشارة يسوع (متّى 4/17)، ويظلّ نواة بشارة الرّسل والكنيسة (8/12؛ 19/8؛ 20/25؛ 28/23، 31).
4 لو 2/42-43، 49؛ يو 14/16-17؛ 15/26؛ رسل 2/33؛ غل 3/14؛ أف 1/13.
يأكل معهم: يشدّد لوقا على مؤاكلة يسوع النّاسَ مدَّةَ حياته التّبشيريّة (لو 7/36؛ 14/1؛ 19/5)، ومؤاكلته تلاميذَه بعد قيامته (لو 24/30، 43)، وإن لم يتصوّر حياة يسوع مع تلاميذه بعد القيامة تصوُّرَه لها قبل الموت. وبعد قيامته أصبح لقاء يسوع وتلاميذه ذروة حضور جديد روحانيّ. كان لقاء الطّعام ذروةَ حضور يسوع بين تلاميذه، وكان عشاؤه الأخير معهم ذروة حياته، وتعليمه ومحبّته، ووصيّته الأخيرة الكبرى.
الّذي سمعتموه منّي: هٰذا اﮕنتقال المفاجئ من الغائب إلى المخاطب ممكن بعد جملة "إذ أمرهم": "لا تغادروا، بل ٱنتظروا الّذي سمعتموه منّي"
5 رسل 11/16؛ متّى 3/11؛ مر 1/8؛ لو 3/16؛ يو 1/33.
تعمّدون: بعماد الروح بشّر يوحنّا المعمدان (متّى 3/11)، وبه وعد يسوع تلاميذه، وقد تحقّق يوم العنصرة (2/1-4)، وهو سرّ العماد المسيحيّ الجديد. وقد حافظ الرّسل على العماد بالماء ولٰكنّه صار عمادًا بٱسم يسوع، يستمدّ قوّته من الإيمان بعمل يسوع الخلاصيّ، فيغفر الخطايا، ويمنح الرّوح القدس (رسل 2/41؛ 8/12، 38؛ 9/18؛ 10/48؛ 16/15، 33؛ /8؛ 19/5). ونرى في الكنيسة الأولى كذٰلك عادة "وضع اليدين" لمنح الرّوح القدس، وهو أشبه بحدث العنصرة (8/16-19؛ 9/17-18؛ 19/5-6). أمّا ما حدث في (رسل 10/44-48) فحدث فريد في كلّ العهد الجديد. ٱستمرّ عماد يوحنّا، وهو عماد بالماء دون الرّوح القدس، لدى بعض المسيحيّين في أفسس (رسل 19/3)، وفي الإسكندريّة (أنظر شرح رسل 18/24).
6 رسل 3/21؛ لو 24/21.
تعيد الملك: تتابع هٰذه الآية سياق الأحداث، الّذي ٱنقطع في (لو 24/49). لا يسأل التّلاميذُ جهلًا، بل يُثيرون موضوعًا خطيرًا جدًّا يتعلّق بتحقيق ما كان يرجوه شعب العهد القديم من "مَشِيحَا"، في نُهيَة الزّمان، وقد بدا وشيكًا من حديث يسوع عن الملكوت (رسل 1/3) وعن الرّوح القدس (رسل 1/5).
7-8 كان تفكير التّلاميذ ما زال محصورًا بملكوت قوميّ سياسيّ إسرائيليّ. أمّا يسوع فيشرّع باب الإنجيل والخلاص على العالم بأسره، على كلّ الشّعوب.
7 مر 13/32؛ متّى 24/36؛ 1 تس 5/1-؛ دا 2/21
الأزمنة والأوقات: حدّد الله لخلاصنا أزمنة، منذ الأزل (روم 16/25؛ 1 قور 2/7؛ أف 1/4؛ 3/9، 11؛ قول 1/ 26؛ 2 طيم 1/9 )، وبعد ٱنقضاء زمن التَّهيئة (عب 1/2؛ 1 بط 1/11)، كان زمن البشارة ( غل 4/4؛ روم 3/26 )، ثمّ زمن التّبشير الّذي يمتدّ حتّى اليوم الأخير.
8 لو 24/47-48؛ يو 15/27؛ رسل 2/32؛ 3/15؛ 5/32؛ متّى 28/19؛ أف 3/.16
الرّوح القدس: كان في بدء بشارة يسوع (لو 4/1)، وهو في بدء بشارة الرّسل والكنيسة. إنّه قوّة إلٰهيّة (لو 1/35؛ 24/49؛ رسل 1/8؛ 10/38)، وفيض من يسوع الفادي على تلاميذه، ثمرة آلامه وموته وقيامته (رسل 2/33). الرّوح ينبوع المواهب الرّوحيّة كلّها: موهبة الألسن (2/4)، والآيات (10/38)، والنّبوَّة (11/27؛ 20/23؛ 21/11)، والحكمة (6/3،5، 10)، والجرأة الواثقة في إعلان كلمة الإنجيل (4/8، 31؛ 5/32؛ 6/10)، والإلهام في القرارات الصّعبة (8/29، 39؛ 10/19، 44–47؛ 11/12–16؛ 15/8).
شهودًا: شهود لقيامة يسوع (لو 24/48؛ رسل 2/32؛ 3/15؛ 4/33؛ 5/32؛ 13/31؛ 22/15)، ولبشارته العلنيّة (لو 1/2؛ رسل 1/22؛ 10/39-40).حتّى
أقاصي: هي رومة، على ما يرى لوقا، عاصمة الإمبراطوريّة الرومانيّة. على بشارة الرّسل أن تلفّ الأرض بأسرها، تتقدّم على مراحل، على ما نرى في تصميم كتاب أعمال الرّسل. كانت أورشليم نقطة الوصول في إنجيل لوقا، فأصبحت الآن نقطة ٱنطلاق البشارة الإنجيليّة.
10 لو 24/50-51؛ مر 16/19؛ يو 6/62؛ 20/17؛ روم 10/6؛ أف 4/8-10؛ 1 بط 3/22؛ 2 مل 2/11.
سحابة: ترافق الغمامة ظهورات الله، في العهد القديم (خر 13/21-22)، وفي العهد الجديد (لو 9/34-35)، ترافق خاصّة ظهورات ٱبن الإنسان (دا 7/13؛ متّى 24/30؛ 1 تس 4/17؛ رؤ 1/7؛ 14/14 16).
11 لو 24/4.
12 لو 21/27؛ متّى 26/64؛ رؤ 1/7؛ رسل 3/21؛ زك 14/4.
سيأتي كما رأيتموه: يأتي في مجيئه الأخير المجيد ليدين العالم (متّى 24؛ لو 17/22-37). يسوع حاضر لا يغيب في حياة الكنيسة، ومجيئه لن يكون "رجوعًا"، بل إظهار لعمله الخفيّ الدّائم. لا تحديد زمنيًّا لهٰذا المجيء، وكلام الملاك تعقيب على كلام يسوع في الآية 8: حين تعمّ البشارة العالم جغرافيًّا يحين مجيء الرّبّ زمنيًّا (متّى 24/14).
13 لو 24/50، 52.
مسيرة سبت: مسافة كيلومتر تقريبًا، و هي ما كان يجوز لليهوديّ المحافظ سيرُها يوم السّبت.
جبل الزّيتون: من ذٰلك الجبل ٱنطلق يسوع إلى أورشليم فإلى الآلام والموت، ومنه ينطلق الآن إلى المجد الأبديّ. يرى التّقليد اليهوديّ في جبل الزّيتون مكان نصر الله الأخير النّهيويّ (زك 14/4).
14 متّى 10/2-4؛ مر 3/16-19؛ لو 6/14-16.
يفصل لوقا، في النّصّ اليونانيّ، بين الرّسل على النّحو التّالي: يجمع الأسماء الأربعة الأولى بواو العطف، ثم يجمع اﮕسمين التّاليين، ثم اﮕسمين التّاليين، ثم الثّلاثة الأخيرة. قد يكون ذٰلك دليلًا على تفاوت الرّسل مقامًا، فالأربعة الأوائل يمثّلون الفئة الأولى في جميع لوائح الرّسل (لو 6/14-16؛ مر 3/16-19؛ متّى 10/2-4). يعقوب بن حلفى غير يعقوب أسقف أورشليم، ويهوذا بن يعقوب غير يهوذا أخي الرّبّ (متّى 13/55؛ مر 6/3).
15 رسل 2/42، 46؛ 6/4؛ لو 23/49؛ 8/19؛ روم 12/12.
إخوته: هم أنسباء يوسف و مريم (1 قور 9/5؛ مر 6/3؛ متّى 12/46).
النّساء: هنّ تلميذات يسوع (لو 8/2-3؛ 23/49، 55؛ 24/10).
أمّ يسوع: آخِر ذكر لمريم أم يسوع مع التّلاميذ. وهناك إشارة إليها في (رؤ 12/1-2).
الإنجيل
مر 16: 15-20
يسوع يظهر لتلاميذه ويُرسِلهم
15 ثم قال لهم: "إذهبوا إلى العالم كلِّهِ، وٱكرِزوا بالإنجيل للخليقة كلِّها.
16 فَمَن آمنَ وٱعتمدَ يخلُص، ومَن لم يؤمن فسوفَ يُدان.
17 وهٰذه الآيات تتبعُ المؤمنين: بٱسمي يُخرجون الشَّياطين، ويتكلَّمون بلغاتٍ جديدة،
18 ويُمسكونَ الحيّات، وإن شَرِبوا سُمًّا مُميتًا فلا يؤذيهم، ويضعونَ أيديهم على المرضى فيتعافون".
صعود يسوع إلى السّماء
19 وبعدما كلّمهم الرّبّ يسوع، رُفِعَ إلى السَّماء، وجلسَ عن يمين الله.
20 أمّا هم فخرجوا وكرَزوا في كلّ مكان، والرّبّ يعملُ معهم ويؤيِّد الكلمة بما يَصْحبُها من الآيات.
شرح آيات الإنجيل:
16 متّى 28/18-20؛ مر 13/10؛ قول 1/23.
17 رسل 2/38؛ 16/31، 33.
18 متّى 10/1؛ رسل 8/7؛ 16/18؛ 2/4، 11؛ 10/46؛ 19/6؛ 1 قور 14/2-40.
19 لو 10/19؛ رسل 28/3-6؛ 4/30؛ 5/16؛ 8/7؛ 1 طيم 4/14؛ يع 5/14-15.
20 2 مل 2/11؛ رسل 1/9-11؛ 1 طيم 3/16؛ مز110/1؛ متّى 22/44؛ 26/64؛ مر 12/36؛ 14/62؛ لو 20/42؛ 22/69؛ رسل 2/33، 34؛ 5/31؛ 7/55، 56؛ روم 8/34؛ أف 1/20؛ قول 3/1؛ عب 1/3، 13؛ 8/1؛ 10/12؛ 12/2؛ 1بط 3/22.
21 رسل 2/43؛ 5/12؛ 14/3؛ عب 2/3-4.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد: اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ