في خطوة محضّرة مسبقا، قرّر العماد عون أنّ توقيت استثمار المنجم المقفل في طابق الأسرار في سنترال العدلية قد حان، فأعطى الوزير نحّاس الضوء الأخضر للقيام بالكرنفال التلفزيوني.
الأهداف واضحة، أوّلها ما يتصل بما نتج عن هذه الخطوة من إحراج جماعي للخصوم الفعليّين وأوّلهم الفريق الأمني الذي يصفه عون بالميليشيا، وثانيها حشر الخصم المقنع والذي لم يعد مقنعا بعد الأزمة، أي الرئيس ميشال سليمان، وتصويره على أنه لا يملك زمام الأمور في وزارة الداخلية، وتظهيره بأنه فقد الحقّ بالمطالبة بهذه الوزارة، وثالثها يتعلّق باختراع قنبلة دخانيّة تغطي على عقدة تشكيل الحكومة، وعلى تنامي انزعاج الحلفاء، من تصلّب عون وتمترسه خلف مطالبه.
وفي الساعات الأولى للأزمة، بدا العماد عون وكأنّه حقق جزءا من هذه الأهداف، حيث استطاع أن يضع الرئيس سليمان تحت ضغط شديد، وأن يدخله إلى المدرسة الجديدة التي أعطاها اسم مدرسة تطبيق القانون، وأن يمتحنه في مادة الانضباط العسكري، منتظرا النتيجة السعيدة في حالتي النجاح والرسوب. فإذا اتّخذ الرئيس مبادرة بمعاقبة اللواء ريفي يكون الممتحن قد ورّط الرئيس في مشكلة مع الفريق الذي كان من أكثر داعميه، وإذا رفض، يكون قد أصبح هدفا مشروعا تحت عنوان أنه غير قادر وغير جاهز للحياديّة في وزارة الداخلية.
وقد حقّق الممتحن نتائج لا بأس بها في الساعات الأولى لموقعة سنترال العدلية، فقدّم نفسه أنه الحريص على دولة المؤسسات متناسيا أنه أوفد نبيل نقولا وعبّاس هاشم إلى المطار لمواكبة حزب الله في اقتحام حرمة المطار ومعها دولة المؤسسات، لكن الساعات التالية بدأت تكشف مدى هشاشة واستعراض ما قام به، كما بدأت تفرغ الأهداف الموعودة من أيّ أمل بالنجاح.
فبالنسبة إلى الهدف الأوّل، فإنّ الرئيس سليمان عاد، وبعد الاندفاعة الأولى التي سلكها تحت عنوان تأديب التمرّد، إلى المربّع الأوّل، أي إلى عدم الانخراط في لعبة عون، وبدا أنّ الرئيس أراد تسجيل نقطة في مرمى الخصم عبر الطلب إلى وزير العدل شفهيّا تحريك القضاء ضدّ ريفي، والاكتفاء بهذه الخطوة التي أفقدت الرئيس عطفا ودعما، ولكنها لم تؤدّ إلى كسر علاقته بالفريق الذي استمرّ يدعمه ظالما ومظلوما.
وأمّا في الهدف الثاني، المتعلّق بالقوى الأمنية، فإنّ هذه القوى خرجت أكثر منعة لأنّها استطاعت أن تظهر حقيقة الهدف من استهدافها، وهو الذي يرتبط بأسباب لا تتصل بحراسة الطابق الثاني، بل بقرار من حزب الله وحلفائه بإعطاء عون مهمّة الهجوم على فرع المعلومات، مع ما يتضمنه هذا الهجوم من حملات إعلاميّة وتهديد ووعيد، ومن خطوات إجرائية خطيرة كُلف الوزير شربل نحّاس بتنفيذها، وهي المتعلقة بحجب المصدر الأساسي لمعلومات الاتصالات. وأمّا الهدف الثالث المتعلق بتضييع مشهد المأزق الحكومي، فإنّ العماد عون وجد نفسه بعد يومين على موقعة السنترال أمام المعضلة ذاتها، وهي معضلة كونه المعرقل الأساسي لتشكيل الحكومة، على الأقلّ بنظر مكوّنات الأكثرية المشكوك بأكثريّتها، كالنائب وليد جنبلاط.
لكن، وبعد فشل كلّ هذه الأهداف، يبقى التأكيد على فشل هدف آخر لم يكن طوال هذه الأزمة في واجهة الضوء، وهو هدف طالما حلم الجنرال بتحقيقه، والمتعلّق بوضع المؤسسة العسكريّة في مواجهة قوى الأمن الداخلي.
فخلال المواجهة، لم يكتفِ عون وحلفاؤه بمحاولة اختراق جسم قوى الأمن الداخلي عبر الضغط على أحد قادة القطعات بفرز عناصر أمنيّة للوزير نحّاس كي تقتحم الطابق الثاني، وهو ضغط عرفت به القيادة وغضّت النظر عن نتائجه حِرصا على وحدة المؤسّسة، مع العلم أنه كاد أن يتحول إلى تمرّد داخل التمرّد "المزعوم"، بل قام هؤلاء بشنّ حرب نفسيّة وتسريبات عن قرار اتّخذته قيادة الجيش باقتحام الطابق الثاني بالقوة، وهي تسريبات، تبيّن فيما بعد أنّها بعيدة جدّا عن الواقع، حيث كان التواصل والتنسيق على أشدّه بين رفيقي الدورة العسكرية الواحدة العماد جان قهوجي واللواء أشرف ريفي، وتولّى وزير الدفاع رعاية هذا التنسيق الذي أنتج توافقا على استلام الجيش الطابق الثاني، وذهبت الأمنيات بحصول اصطدام بين الجيش وقوى الأمن أدراج الرّياح، ولم يتأخّر اللواء ريفي عن التعليق على هذه الأمنيات بالقول: ربّما من سعوا لحصول هذا الاصطدام لا يعرفون عمق العلاقة التي تربطني بالعماد قهوجي.