كتب وسام ابو حرفوش في صحيفة "الراي" الكويتية: … في لبنان لا قضية تعلو فوق… ما يجري في سوريا. فوطن الـ 10452 كيلومتراً مربعاً هو الآن في "الإقامة الجبرية" تحتجزه التحولات "اللاهبة" في سوريا وتجعله، إما "صندوق" بريد لرسائل تتطاير في كل اتجاه وإما "صندوق فرجة" لما يمكن ان يكون عليه الوضع في مكان.
سؤال "يتيم" يضج في الاندية السياسية في بيروت التي تطارد "الاخبار" عن سوريا في واشنطن وباريس والدوحة وأنقرة وطهران وبغداد، إضافة الى "أخبار" دمشق في دمشق عينها، فكل "العيون" على سوريا، التي من المرجح ألا تغادر "عين العاصفة" في امد قريب.
تشعر بيروت، المتوجسة من شظايا الانفجار السوري، انها لن تكون في منأى عن السقوط المريع او التبدل المريح للنظام في دمشق، وهي تدرك ان العبوة التي انفجرت اخيراً بالوحدة الايطالية من قوات "اليونيفيل" لم تكن سوى انذار مبكر لما هو ادهى، كلما تعاظم الضغط على النظام في دمشق.
ويسود انطباع "متعدد الاتجاه" في بيروت بأن نظام الرئيس بشار الاسد، الذي كان عائد تجرع كأس "الاصلاحات"، ينزلق نحو نهاية مأسوية، وهو لم يتردد في لحظة سقوطه في اللجوء الى خيارات اكثر ايلاماً قد يكون "التقسيم" اشدها مرارة في لعبة غير محسوبة.
اوساط غير بعيدة عن طريق بيروت ـ دمشق ألمحت الى "الراي" ان نصائح اسديت الى الاسد من حلفائه، كايران و"حزب الله" و"حماس"، إضافة الى "دول صديقة" كتركيا وقطر بضرورة احداث "صعقة إصلاحية" قبل وصول العاصفة الى سوريا.
وتحمل هذه الاوساط "عناد الاسد" مسؤولية تفويت الفرصة والارتماء في "قلب النار"، فالرئيس السوري الذي "يفاخر" بأنه لا يقدم تنازلات تحت وطأة الضغط توهم بأنه يملك القدرة على سحق الاحتجاجات ومن ثم اطلاق عجلة الاصلاحات.
غير ان اوساطاً على بينة مما يجري في دمشق تشير الى المحصلة عينها لكن لأسباب لا صلة لها بـ"العناد"، فـ"الأسد الجريح" ربما يملك الرغبة في وأد الاحتجاج بالاصلاح لكنه لا يملك القدرة نتيجة التركيبة الامنية التي تحوطه وتجعل من "الخيار الامني" ممراً وحيداً لاستعادة زمام الامور.
بعض "الحرصاء" على الاسد من اللبنانيين يلاحظون كيف بدد الرئيس السوري رصيده الاقليمي والدولي، مع تخلي "حضاناته" عنه من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، مروراً بأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وسواهم ممن سبق ان فكوا عزلة الاسد بعد اغتيال رفيق الحريري.
والكلام الذي اوحى به الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بعيد زيارته الخاطفة لقطر اخيراً، كان معبراً حين نقل عن اميرها انه يرفض اي حوار مع الاسد بعدما اطاح بـ"اتفاق الدوحة" في لبنان رغم الدور الذي لعبته قطر في فتح الطريق للرئيس السوري الى الولايات المتحدة وفرنسا وساعدته على فك عزلته.
اما الذين يعودون من تركيا فيتحدثون عن "خيبة امل" في انقرة، التي من المرجح ان تولي الملف السوري اهتماماً اكبر بعد الانتهاء من الانتخابات فيها، مما يؤشر الى ان "الثورة السورية" على موعد مع اندفاعة اكثر اتساعاً وفاعلية في المرحلة المقبلة.
وفي تقدير اوساط خبيرة في الاداء التركي ان اي اشارة قوية من انقرة في اتجاه ضرورة التغيير في سوريا، سيكون من شأنها تبديل المشهد على النحو الذي يدفع البرجوازية السنية في دمشق وحلب للانضمام وعلى نحو اكثر وضوحاً الى المسيرة الاحتجاجية وفي اتجاه التغيير.
ولم تستبعد تلك الاوساط ان يطال هذا التغيير اداء الجيش السوري مع استمرار دفعه من النظام الى مواجهة المحتجين من ابناء شعبه، لافتة الى ان اي تطور من هذا النوع سيكون مفصلياً في مسار الصراع الذي تشهده سورية منذ 15 مارس الماضي وعلى نحو متعاظم.
ولا تسقط هذه الاوساط من حسابها تحول حلب في المرحلة المقبلة الى «بنغازي سورية» في ضوء الاندفاعة المحتملة لـ"الثورة" مع تحرك البرجوازية السنية المتوجسة حتى الآن من "صفقة ما" وإظهار الجيش ممانعة لوضعه وجهاً لوجه امام شعبه.
وتتقاطع هذه التقديرات مع تقارير من انقرة تعكس "دراية تركية" فائقة في التعاطي مع الملف السوري، خصوصاً وان المجتمعين الدولي والعربي يعولان على دور اساسي لتركيا في ضمان انتقال الوضع في سوريا الى "وضع جديد".
هذه الدراية التركية تأخذ في الحسبان الخلاصات الآتية:
* محاذرة تركيا من لعب اي دور يوحي بأنها عازمة على تكرار "التجربة العثمانية" من جهة او اجترار "التجربة الايرانية" من جهة اخرى في تعاطيها مع الواقع العربي الجديد.
* رغبة تركيا في "إسلامها الجديد" بناء شراكة تركية مع الحال العربية الجديدة القائمة على "اسلام مماثل" تشكل طلائعه الحركات "الاخوانية"، لكن في اطار مجتمعات ديموقراطية تعددية.
* تأخذ تركيا على محمل الجد خطرين هما: السلفية التي غالباً ما تكون الاحتياطي الاستراتيجي للأنظمة القائمة، والنفخ في "المذهبية" على النحو الذي قد يؤدي الى تحريك "علويي الاسكندرون".
ازاء هذه اللوحة من الاحتمالات يجري التدقيق في اوراق القوة التي ما زال يتسلح بها الاسد، كالعلاقة مع ايران و"حزب الله" في لبنان، وحركة "حماس" في فلسطين، إضافة الى روسيا والصين.
واذا كانت حركة "حماس" الاخوانية سارعت الى معاودة "تموضعها" خلف "مصر الجديدة" لأسباب موضوعية وأخرى تتصل بايحاءات قطرية ـ تركية، فإن طهران التي من المتوقع ان "تستشرس" لمنع سقوط الاسد لن "تنتحر" من أجله.
وفي تقدير اوساط مهتمة فإن ايران التي تعاني ازمات "جوهرية" لم تقطع يوماً صلات "الأخذ والرد" مع الاميركيين الذين لا يمانعون في التسليم بـ"الملف النووي" السلمي لايران وبـ"نظامها الحالي" لكن داخل حدوده.
ولم يتح امكان التأكد في هذا السياق من معلومات عن بداية اتصال ايراني مع المعارضة السورية عبر الاتراك، فرغم ان الوقائع الحالية لا تصب في هذا الاتجاه، فإن "الواقعية" قد تبيح مثل هذا الاحتمال.
اما الروس، فإن دوائر ديبوماسية كشفت لـ"الراي" عن ان في موسكو الآن ثلاثة مواقف "رسمية" تتصل بما يجري في سوريا، لكن جميعها تصب في "اللحظة الراهنة" في الامتناع عن مجاراة الغرب في ضغوطه على الاسد، وحض الاخير على الاسراع في إصلاحات جذرية في الوقت عينه. غير ان دوائر مهتمة اشارت الى ان وزير الخارجية الروسي الاسبق بريماكوف يشكل ما يشبه "اللوبي" من اجل دفع موسكو لمجاراة التحول في الشرق الاوسط عبر دعم عمليات التغيير حفاظاً على المصالح الاستراتيجية لبلاده.
ومن غير المستبعد ان تكون لهذا اللوني اصداء اكثر فاعلية مع تطور الاوضاع داخل موسكو التي لا ترتبط بمصالح "إستراتيجية" بالغة الاهمية مع سوريا، فحضورها العسكري في ميناء طرطوس لا يعدو كونه رمزياً.
الا ان الاكثر اثارة في هذا السياق كان العبارة ـ الشيفرة التي قالها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله اول من امس حين تحدث عن خطر تقسيم سورية وامتداد هذا الخطر الى السعودية. إذ ثمة من يشير الى ان "التقسيم" قد يكون السلاح الاحتياطي الذي يلجأ اليه نظام الاسد في حال شعوره بـ"التداعي".
اما "حزب الله" اللبناني، فإن التقديرات في شأن تعاطيه مع الوضع في لبنان في ضوء الافول المحتمل لنظام الاسد، تراوح بين توقع "تكيّفه" مع الحال الجديدة لحفظ مكتسباته في الداخل، وبين الاعتقاد انه سيذهب الى وضع اليد على الداخل بـ "الأساليب الديموقراطية" وبدونها.