لا يحتاج أي زعيم لبناني الى استعادة حقبات الحروب والثورات والفتن اللبنانية بالدرجة الاولى من اجل ادراك محاذير المس بخطوط التوتر العالي لدى قواعد خصومه، فكيف حين يطل الزعماء في الوضع المتأزم الراهن داخليا على المبارزات والمناكفات متجاهلين ما يجري في انحاء العرب حيث تتدحرج الثورات انهار دماء وفوضى مريعة.
ومع ان فرص نجاة لبنان من انعكاسات هذا "الربيع الدامي" لا تزال كبيرة خلافا لما يخشاه كثيرون فان ذلك لا يوفر لاي فريق ترف الذهاب بعيدا في كسر سقوف الادبيات السياسية السائدة على توازنات شديدة الهشاشة على غرار مفاجأة الرئيس نبيه بري في تفلته من موجبات موقعه الدستوري وشنه حملة هجائية على "ثورة الارز" جملة وتفصيلا.
المسألة هنا لا تتصل بالحق التعبيري والسياسي المطلق للرئيس بري كما لكل زعيم في اتخاذ أي موقف من خصومه او اسقاط ارتباطه باي جهة خارجية على مواقفه من القضايا الداخلية. فحتى في هذه الناحية النافرة من السياسة اللبنانية الامر معهود ومسلم به. لكن ادانة "ثورة الارز"في معرض الدفاع عن النظام السوري تحمل صاحبها محظورين كبيرين.
ثمة اولا واقع تاريخي مثبت لا يمكن أي جهة داخلية او خارجية التنكر له وهو ان "ثورة الارز" اكتسبت اهم خصائصها من كونها ثورة سلمية ديموقراطية نادرة لم ترق فيها نقطة دم ولا قوضت نظاما بالمعنى الانقلابي الدموي. كانت ثورة سيادية خالصة حتى من دون أي مشروع اصلاحي، ولعل نقطة ضعفها البنيوية هذه تكفي لتبديد الاتهام المضخم الغريب لها بانها اعادت البلاد 60 سنة الى الوراء.
وثمة ثانيا ما هو افدح في مقاربة اتهامية لهذه الثورة من "رمز" لثورة مسلحة عاتية على جمهورية "المارونية السياسية" اسمها "انتفاضة 6 شباط" في بيروت الغربية في عهد الرئيس امين الجميل. فهل بات منطق الثورة بذاته يحتمل معيارين ومكيالين وانفصاما بين الماضي والحاضر؟
لنقل ان "النضج السياسي" بات يميل مع استهلاك كل المجموعات اللبنانية تجارب الثورات الى الاستقرار.فما معنى "اهانة" جمهور عريض بذاته آمن ويؤمن بمبادئ 14 آذار؟ وماذا لو قام احدهم في المقابل "بإهانة" جمهور 8 آذار والمقاومة؟
ان الفارق واقعي وحقيقي بين اللعبة السياسية التي تبيح الضرب تحت الزنار ومفاهيم القواعد الشعبية وانفعالاتها. وفي لحظة خطيرة كالتي يجتازها لبنان الان يتعين على الزعماء القابعين سعداء على الازمة ان يحسبوا الكثير عند تجاوز قواعد اللعبة وبروتوكولات الاشتباك. وغني عن البيان ان الامر نفسه ينسحب على سياسيين ونواب "ناريين" من فريق 14 آذار حين يلهجون بنبرة مذهبية الامر الذي يستلزم التزاما قاطعا بمبادئ تمنع الانزلاقات العصبية.