المبادرة تعطي بكركي دفعاً قوياً وتلقي عليها أعباء
مشهد مسيحي مشجّع تواكبه محاذير التجارب
يساعد الزخم الذي اتى به البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي في لملمة المشهد المسيحي المشرذم والمنقسم على نحو لا يملك الافرقاء السياسيون المسيحيون ترف استمرار الرفض في اللقاء من اجل بحث الامور التي تهم ابناء الطائفة في الدرجة الاولى بعد سنوات من التشرذم والانقسامات التي لا تزال قائمة على المستوى السياسي. وهذا الزخم يوفر الذريعة لضرورة اللقاء الذي يفترض ان تحفزه في الظروف الراهنة ايضا التطورات العربية الخطيرة، اذ يشكل الوجود المسيحي في المنطقة والمخاوف عليه احد ابرز العناصر المتداولة اعلاميا شأنه شأن الاسئلة المطروحة حول مصائر بعض الانظمة العربية. والافرقاء المسيحيون في لبنان يشعرون بحرارة التطورات المتأزمة في المنطقة على نحو يفرض على الجميع تقويم حساباته حتى في المعطيات المحلية إن لم يكن حتى في اعادة هذه الحسابات في بعض المحطات. وهذه الحرارة تفيد أن الوقت حان ولو قسرا للخروج بمشهد اكثر تضامنا واكثر عناية بالطائفة المسيحية من المصالح الشخصية للزعماء او للاحزاب وفق ما يبدو من اليوميات السياسية. كما حان الوقت محليا واقليميا للخروج من مبدأ البكاء على ملك ضاع والعمل على معالجة الوضع المسيحي عموما ما دامت القدرة والارادة متوافرتين لذلك، اذ ان المسؤولية هي مسؤولية البيت المسيحي في جملة قضايا اساسية ومهمة قبل ان تكون مسؤولية اي طرف آخر وفي مقدمها الدولة اللبنانية، من دون ان يعني ذلك عدم مسؤولية الآخرين ايضا.
والمشهد المسيحي العام في بكركي برعاية البطريرك الماروني جيد على نحو افضل من ذلك الاجتماع الاولي الذي جمع اربعة من زعماء الموارنة فقط قبل بعض الوقت من حيث اعطاء الانطباع بأن الموارنة لم يعودوا يعيشون فقط في زمن خلافات هؤلاء الزعماء ابان الحرب وربط تطوير الشأن المسيحي بالمصالحة في ما بينهم، على رغم اهمية هذا العنصر بالنسبة الى الداخل. علما ان هذا الاجتماع حصد تعليقات ديبلوماسية غربية سلبية من حيث استمرار الموارنة في الظهور بمظهر كارتيلات حزبية وسياسية ضيقة الافق مبنية على الحساسيات القائمة منذ اكثر من عقدين او ربما ثلاثة عقود ايضا من دون القدرة لا على المسامحة الجدية ولا على التغيير، اذ ان النواب الذين حضروا هم من كتل نيابية مختلفة ويمثلون شرائح الشباب والمناطق بما يوحي باشراك المجتمع اللبناني بأسره ولو عبر النواب المسيحيين وحدهم بما ينزع عن زعماء الاحزاب والتيارات احتكار الزعامة من دون وجود آراء للآخرين على الارض، في حين ان المتغيرات السياسية في لبنان كما في المنطقة يجب ان يتم لحظها من حيث افساح المجال امام حيثيات وافكار اكثر شبابا، ولو نسبيا، مثلما تمت ملاحظة هذا العامل في انتخاب البطريرك الراعي نفسه.
واذ تعطي هذه المبادرة بكركي دفعا قويا في موازاة ما تلقيه عليها ايضا من اعباء، فان ما يكتسب اهمية في هذا السياق هو ايحاء الاجتماع بامكان توحد المسيحيين حول بعض الافكار او بعض المواضيع التي تهدد الوجود المسيحي الفاعل في لبنان بحيث لا يستمر هذا الامر وهما او سرابا بغض النظر عن غياب وحدة الرؤية السياسية لدى المسيحيين، علما ان توافر هذه الرؤية الموحدة يعتبر امرا بالغ الاهمية ايضا. لكن ثقة المسيحيين بقدرة قياداتهم على تجاوز خلافاتهم وانقساماتهم، وامكان الثقة ايضا بصوابية الخيارات السياسية التي يتخذونها داخليا وازاء الخارج، لا يزالان دون المستوى المطلوب من حيث القدرة على ضخ الاطمئنان في نفوس الطائفة المارونية بأن المسيحيين عموما لن يذهبوا" فرق عملة" التطورات الجارية في بعض دول المنطقة وفق ما يسري لدى المسيحيين من مخاوف بناء على احاديث صالونات سياسية وتحذيرات يضخها بعض التيارات السياسية من ان ما يمكن ان يعرّض النظام السوري مثلا للخطر سينسحب على المسيحيين ليس في سوريا فحسب انما في لبنان ايضا، بدليل التجربة العراقية ثم التجربة المصرية بعض الشيء ايضا. لذلك فان هذا الاجتماع الذي يمكن ان يعتبر خطوة اولى مشجعة يرى كثر وجوب ان يوجه في المرحلة القريبة المقبلة رسائل مطمئنة الى المسيحيين من حيث وعي ان هذا النوع من الرسائل لا يتصل بطمأنة الموارنة فحسب بل ايضا كل المسيحيين من دون تمييز، اضافة الى طمأنة هؤلاء ان شؤونهم العامة يمكن ان تكون بأيدي امينة من حيث رعايتها على نحو موحد على مستوى الوطن بعيدا من المزايدات السياسية في اول محطة سياسية انتخابية او نقابية او ايا تكن. فترتيب البيت الداخلي في الحد الادنى وتماسك المسيحيين امران اساسيان في ارساء بعض الثقة ليس باستمرار دور المسيحيين فحسب بل بضرورة تفعيله من خلال التمسك بالارض وعدم الهجرة يأسا من انقسام اضعف الدور والفاعلية والتأثير كما الوجود.
لذلك، فان المحاذير تسير على نحو مواز للايجابيات الظاهرة من اجتماع مماثل من خلال السير خطوة خطوة وعدم رفع آمال عالية سرعان ما تهوي عند اول مناسبة، خصوصا ان فشل اتفاق او توافق السياسيين المسيحيين ومحاولة استثمار البعض اي نجاح في مكاسب سياسية شخصية سيعطي نتائج او مفاعيل سلبية قوية مفادها اليأس من قدرة هذه الطائفة على انقاذ نفسها ودورها في لبنان ومساهمتها في انقاذه ايضا جنبا الى جنب الطوائف الاخرى.