#adsense

“أنا” الانتحارية

حجم الخط

يبدو السؤال في مكانه: ما الذي يدفع بالرئيس اليمني أو العقيد الليبي إلى تهديم الدنيا ورفض كل تسوية ممكنة رغم الوصول إلى زاوية مقفلة؟ وما الذي يدفع بهما وبأمثالهما إلى المخاطرة بخسارة كل شيء وعدم التقاط فرصة النجاة بالروح ليس إلا؟

والسؤال يستدعي أجوبة لها علاقة بالسلطة وحساباتها، كما بشيء من علم النفس. وفي ذلك دلالة إلى ثقافة "أنوية" مأثورة في مجتمعات تربّت ونمت وشبّت وشابت على أنماط وسلوكيّات سلطوية تبدأ في البيت العائلي ولا تنتهي في حكم الأوطان.

مفهوم تماماً أن يتمسّك الحاكم الليبي ونظيره اليمني بسلطة مطلقة بُنيت على مدى سنوات طويلة.. ومفهوم وطبيعي، أن يأخذا في الحسبان، في لحظة انفضاض الناس عنهما في الداخل والخارج، كل ما تراكم من طبقات استفادت منهما وشبكت مصالحها بمصالحهما، وأقامت استناداً إلى ذلك بنى متينة في السياسة والأمن والعسكر والمال والإعلام، والمراهنة بالتالي على أن كل ذلك الجنى سيدافع عن نفسه في الإجمال، وأنّ ذلك سيؤدي وسيعني حكماً وتلقائياً التمسّك بالرأس الحامل لكل ذلك الجسم وحمايته من الانهيار..

.. ومن المفهوم والطبيعي، أن يراهن الحاكم في لحظة سوداء على ما زرعته يداه في لحظات بيضاء. لكن ما ليس مفهوماً ولا طبيعياً هو استدراج الإصابة بمرض انعدام الرؤية وصولاً إلى اعتماد خيار انتحاري صاف لا تشوبه شائبة منطقية ولو بنسبة واحد إلى ألف.

والمفارقة لافتة: قادة تمرّسوا بالسلطة وشؤونها وكيفية الإمساك بها. وأصبحوا سادة أجلاّء في فن البقاء والمناورة، وكيفية قيادة الناس. وراكموا خبرات ودروساً. وعرفوا أسراراً ما عرفها غيرهم، وعرفوا معها كيفية إقفالها وإحكام ذلك الإقفال، ثم كيفية فكّ طلاسمها. ثم الإمعان بعد ذلك، في درس وتمحيص وفحص كل خطوة متخذة بحكم الموقع القيادي.. وما إلى ذلك من شؤون وحيثيات مكّنتهم في المحصلة من البقاء في مواقعهم لسنوات وسنوات.
لكن رغم ذلك كلّه، فإنّ هؤلاء يختارون بأنفسهم في لحظة التحدّي الداخلي خصوصاً، الابتعاد قدر المستطاع عن أي منطق وأي حسبة دقيقة وصحيحة.

يعرفون بالتأكيد، أن بقاءهم في أماكنهم سيعني حروباً أهلية، أو سيعني انهياراً تاماً لكل ما له علاقة بهم. وسيعني بعد ذلك، في حالتي العقيدين اليمني والليبي تحديداً، احتمال خسارة كل شيء حتى على المستوى الشخصي، ومع ذلك يبقى الاحتضار الذاتي أو الانتحار خياراً لا بديل منه بالنسبة إليهما.

علي عبدالله صالح أكثر من القذافي، فُتحت له، ولا تزال، أبواب الخروج اللائق من السلطة إلى أمان المنفى مع عائلته وحاشيته وأمواله.. ومع ذلك فضّل ويفضّل الحرب حتى النهاية! القذافي وقع في الفخ الذي نصبه لليبيين. ترك لهم في أول أيام التحرّك ضدّه، الاستيلاء على قواعد وثكنات ومخازن أسلحة كي يبرّر لاحقاً اعتماد لغة الحديد والنار والملاحقة والتصفية، مفترضاً، استناداً إلى حساباته، انه أقوى من حالة شعبية هيّاجة وطارئة ومسلحة. لكنه لم يحسب تماماً، حساب الخارج الذي وجد أمامه فرصة لا تُعوَّض من أجل تصفية حساب قديم وثقيل معه، مرّة واحدة وأخيرة.

.. لعنة "الأنا" ليست غريبة في دنيا العرب والأفارقة، لكن لعنة الانتحار كانت كذلك وستبقى في حالتي العقيدين اليمني والليبي كما في حالات أخرى، قرّر أصحابها إصابة أنفسهم بالعمى السياسي حتى آخر الهاوية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل