كتب عمر البردان في "اللواء":
فتح اللقاء "العائلي" الذي جمع في كليمنصو الخميس، رئيس "جبهة النضال" النائب وليد جنبلاط ورئيس "حزب الكتائب" امين الجميل على مأدبة عشاء الباب على مصراعيه امام سيل من الاسئلة عن توقيته ومضمونه، في ظل هذه الظروف الدقيقة والتي يمر بها البلد، وعلى وقع استمرار الازمة الحكومية، وتفاعلاتها على اكثر من صعيد.
وثمة من رأى فيه مؤشراً اضافياً على انعطافة النائب جنبلاط الجديدة بعيداً من قوى 8 آذار بإعادة خطوط التواصل مع حلفائه السابقين في قوى 14 آذار، دون ان يعني ذلك عودته الى معسكره القديم، في رسالة تشبه الانذار الى الاكثرية الجديدة، وتحديداً حزب الله للدفع باتجاه الضغط على النائب ميشال عون رئيس تكتل التغيير والاصلاح للاسراع في تأليف الحكومة، في حين ان هناك من اعتبره محاولة من جانب جنبلاط للوقوف على رأي بعض القوى السياسية من امكانية قيام تحالف وسطي بعيداً من الاصطفافات السياسية والطائفية القائمة، بين الاكثرية والمعارضة.
وفي مقابل ذلك، فإن هناك من تساءل هل يمكن النظر الى لقاء جنبلاط الجميل بأنه يشكل انعطافة كتائبية تلاقي انعطافة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي تحت عنوان ما يسمى بـ"الحياد الايجابي؟".
واذا كان من السابق لاوانه التحدث عن نتائج هذا اللقاء وما يحمله من دلالات الا ان مصادر نيابية بارزة في حزب الكتائب اكدت "اللواء" انه لا يجوز اعطاء "العشاء العائلي" اكثر من حجمه، ولا يجب تحميله اكثر مما يتحمل فهو يعرف من عنوانه وفي اطار استمرار التواصل بين الرئيس الجميل والنائب جنبلاط والذي لم ينقطع اصلاً بين الرجلين بالرغم من كل التطورات التي حصلت في السنوات الماضية، ولا يمكن النظر اليه تالياً من زاوية اي تموضع سياسي جديد اقله من جانب حزب الكتائب الحريص على موقعه داخل انتفاضة الاستقلال التي تعمدت بدماء شهيديه، الوزير بيار الجميل والنائب انطوان غانم، فهو من صميم هذه الثورة المجيدة، ودوره كان اساسياً ومركزياً في ولادتها، وبالتالي لا يجب اعطاء الامور اكثر من حجمها، بل النظر اليها من منطلق واقعي وموضوعي.
وتقول المصادر انه إذا كان لـ"حزب الكتائب" بعض الملاحظات على أداء قوى في 14 آذار، فلا يعني ذلك الابتعاد عن الحلفاء او التفكير في الدخول بتحالفات سياسية لا تتوافق مع مبادئ وثوابت انتفاضة الاستقلال التي دفع اللبنانيون الثمن غاليا لانجازاتها ونجاحاتها، مع التأكيد على ضرورة اتخاذ ما يلزم من خطوات لتهدئة الخطاب السياسي لدى بعض الاطرف اللبنانية والعمل علي تفعيل المؤسسات الدستورية وبما يؤدي الى إزالة العراقيل من امام تشكيل الحكومة وبأسرع وقت، والكف عن التذرع بحجج واهية لعرقلة التأليف الذي دخل شهره الخامس، فيما تزداد الضغوطات السياسية والاقتصادية والامنية جراء هذا الفراغ القاتل الذي يهدد البلد بمخاطر جسيمة لا يمكن التكهن بنتائجها.
وتشير المصادر الكتائبية الى ان الرئيس الجميل يدرك جيداً خطورة بقاء الوضع على ما هو عليه من المراوحة، ولذلك، فهو لا يتوانى عن البحث مع القوى السياسية على تنوعها في المخارج الممكنة التي يمكن اللجوء اليها لإنهاض لبنان من كبوته والتخفيف من حجم الفاتورة المكلفة التي سيدفعها اللبنانيون ثمناً لتآكل المؤسسات وأجهزة الدولة على اختلافها.
وكان من الطبيعي ان يتطرق الرئيس الجميل والنائب جنبلاط على هامش اللقاء العائلي الذي جمعهما الى الحديث عن بعض هذه المخارج والعمل على بلورة رؤية مشتركة بشأنها، كل من موقعه السياسي وبما يتلاءم مع مصلحة البلد والناس.
وانطلاقاً مما تقدم، وفي ظل المأزق الذي يعيشه لبنان منذ ما يقارب الخمسة أشهر، نتيجة فشل 8 آذار في تشكيل الحكومة بسبب شهوة الاستيزار لدى قياداتها، فإن الخيار الأفضل للمرحلة الحالية يتمثل باللجوء إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية متوازنة وقوية وقادرة على إنقاذ الوضع وإعادة أجواء الاستقرار والوفاق بين اللبنانيين، بعيداً من سياسة الاستقواء أو محاولات فرض الاملاءات على الآخرين والتهديد بالسلاح ومصادرة قرار الحرب والسلم، وهذا بالتأكيد يفرض على الفريق الآخر أن يمد يد الشراكة إلى شركائه في الوطن ويسلِّم بالحقائق التاريخية الذي قام عليها لبنان، لجهة استحالة قيام حكومة من لون واحد ستأخذ البلد بالتأكيد الى مكان لا يريده اللبنانيون وستساهم في تعميق الهوّة في ما بينهم، في وقت تفرض التطورات الخطيرة التي يمر بها العالم العربي، تحصين الجبهة الداخلية من خلال إجماع اللبنانيين على تأليف حكومة اتحاد وطني تعمل على سد كل الثغرات التي قد يستغلها البعض لزعزعة استقرار الوطن وإثارة أجواء الفوضى والتقاتل بين أبناء الشعب اللبناني.