#adsense

“العصفورية” اللبنانية … إلى متى؟

حجم الخط

ليست خافية على أحد مشاعر القلق والاضطراب التي تسود لدى غالبية اللبنانيين وبأن هناك أخطاراً داهمة تحدق ببلدهم من كل حدب وصوب من دون ان يتوافر بالمقابل ما يطمئنهم ويهدىء من روعهم ، لا بل يزدادون قلقاً وإحباطاً استناداً إلى ما يسمعون ويرون من تسيب وشلل وفلتان سياسي وحال فوضى عارمة و "اشتباكات " كلامية وادارية و " أمنية " لم تحصل حتى في عز أيام الحرب ، وتحولت الجمهورية إلى "عصفورية " بكل معنى الكلمة … ولأن اللبنانيين تراكمت لديهم الخبرات والتجارب ، بات لديهم من الحس المرهف والذكاء السياسي الحاد ما يجعلهم لا يخطئون في مشاعرهم ولا في توقعاتهم. وهم هذه الايام يتوقعون الأسوأ ويشعرون أنهم محاصرون بمشاكل وهموم وأوضاع صعبة وضاغطة تضيّق عليهم الخناق.

الهم الاقتصادي والمالي يظل في المرتبة الأولى ، يلازم الناس يقض مضاجعهم وسط غياب الحد الأدنى من الحماية والضمانات . وكل شيء في البلد متوقف جامد الا الغلاء المتفاقم والاسعار المرتفعة والفساد المستشري والمتغلغل في كل الامكنة وعلى كل المستويات … وبعدما كان الجميع يعوّل على حكومة جديدة تعطي الأولوية للمسائل والملفات الاقتصادية والانمائية والحياتية والنقدية المتراكمة وفي طليعتها التجديد السريع لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة لما يشكله من ضمانة وحماية للنقد والاستثمارات والمدخرات في لبنان ، اذا بهذه الحكومة تدخل في غيبوبة كاملة نتيجة سقوط الوضع في حال انعدام الوزن على المستويين الداخلي والاقليمي وعدم توافر الحاضنة العربية للوضع اللبناني التي تأرجحت في العامين الماضيين بين اتفاق الدوحة والتفاهم السوري-السعودي.

المفارقة المؤسفة هنا ان الناس بدأوا يعتادون الوضع غير الطبيعي ويتكيفون مع فكرة ان بلداً يمكن ان يعيش من دون حكومة ويستمر لشهور واقفاً على رجليه وهم يعزون انفسهم بالقول بأن صيف 2007 كان افضل صيف مرّ على لبنان منذ 2005 وحتى اليوم بحيث شهد هذا الصيف تدفقاً للسياح من مختلف اقطار العالم وكان البلد ينعم بالأمن والرخاء ودخل إلى لبنان اموالاً طائلة ولم يكن هناك حكومة ، وذلك لأنهم يئسوا من امكانية ولادة حكومة جديدة ، ولأنهم باتوا متيقنين ان لبنان سيواجه استحقاقات قريبة في ظل فراغ حكومي وسلطوي ، حيث لا حكومة تجتمع وتقرر وتتفاعل مع الأحداث وتعمل على الحد من الاخطار والاضرار المحدقة بلبنان …

الخطر الاول يكمن في الانقسام الحاد الذي بدأ ينتج توترات سياسية وطائفية متزايدة ويفاقم في اجواء الفتنة ويضعف حالة المناعة الذاتية والمكتسبة ، حتى اذا ما صدر القرار الظني عن المحكمة الدولية وفقاً لآخر التوقعات والتكهنات ، فإن الساحة اللبنانية ليست معدة ولا مؤهلة للتعاطي مع نتائج وتداعيات مثل هذا الاستحقاق . فلبنان الرسمي ليس في موقع القادر على الايفاء بالتزاماته الدولية ، ولبنان السياسي والشعبي ليس في موقع القادر على صياغة موقف وطني موحد وخطة وقائية في مواجهة هذا القطوع .

والخطر الثاني أمني ويتحرك في خط بياني تصاعدي مع ازدياد ظاهرة الاحداث المتعددة الاشكال والمتنقلة بين المناطق من خطف الأستونيين على طريق المنطقة الصناعية في محيط عاصمة البقاع إلى متفجرة كنيسة السيدة في زحلة ، إلى تفجير دورية اليونيفيل قرب صيدا، إلى التظاهرات الاصولية المتشددة في طرابلس ، إلى مخالفات البناء ومحاولات قمعها الناجحة احياناً والفاشلة احياناً اخرى في مناطق لبنانية مختلفة ، وصولاً إلى التظاهرات الحدودية والتي كان آخرها المظاهرة التي ألغيت أمس.

هذه حوادث تشد بالوضع في لبنان إلى الوراء وتتسبب بحالة من التوتر والقلق المشروع وانعكاسات سلبية مباشرة على الوضع الاقتصادي والمالي . وهنا يكمن الخطر الثالث والأدهى المتمثل في واقع متردي ومتأزم يطيح ما تحقق العام الماضي من نمو مرتفع وما ظهر من بوادر تحسن في مختلف المؤشرات الاقتصادية العامة. فالموسم السياحي مهدد والسائحون العرب والأوروبيون يبحثون عن وجهة سياحية أخرى غير لبنان… حركة الاستثمارات والمشاريع متوقفة في وقت تنشط حركة تهريب الاموال ونزوحها إلى ملاذات أكثر أماناً وإلى دول تكون فيها حكومات وسلطات وقوانين وضمانات وحوافز وادارات منتجة لا شواغر فيها ولا فراغات…

ما يزيد الوضع سوءاً ويفاقم في حال القلق ان حالة الانحدار والتدهور والفراغ والجمود في الداخل وما تسببه من أخطار مباشرة ، تتزامن مع أخطار استراتيجية في المنطقة تطرق الباب اللبناني وتنبىء بمتغيرات دراماتيكية يصعب استباقها واحتواؤها، ويصعب حتى اللحاق بها ومواكبتها. ومع احتدام صراع المشاريع والمصالح الاقليمية والدولية على أرض المنطقة العربية وسط انكفاء تام لعملية السلام ، فإن لبنان الداخل في مرحلة انعدام الوزن الاقليمي ، بدأ يتكوّن على حدوده الشمالية والجنوبية بؤرتا توتر قابلتان للتوسع والتمدد والانفجار في اتجاه الإطاحة بالاستقرار الداخلي الهش . وما بين السوريين الوافدين إلى لبنان عبر حدوده الشمالية ، واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان والمتحركين نحو حدوده الجنوبية، يرتسم مشهد لبناني مضطرب وحافل بكل عوامل التوتير والانفجار .

ازاء كل هذه الصورة القاتمة ومع اقتراب لبنان من الدائرة الحمراء ومرحلة الخطر ، يصبح لزاماً على القيادات اللبنانية بدءاً من أعلى الهرم وصولاً إلى كل القوى السياسية والحزبية المبادرة إلى تحرك سريع قبل فوات الأوان من اجل تقديم تنازلات متبادلة لمصلحة الوطن والمواطن المسكين الذي لا حول له ولا قوة لتشكيل حكومة جديدة، اذ لا يمكن للوضع ان يستمر هكذا من دون حكومة وسلطة قرار ومن دون مرجعية مسؤولة…

رئيس الجمهورية ، رئيس مجلس النواب ، رئيسيّ حكومة تصريف الاعمال والمكلف ، القيادات السياسية والروحية ، جميع القوى السياسية الحزبية ، قوى 8 و14 آذار يدعون وبإلحاح إلى الاسراع في تشكيل حكومة … هذه الدعوة وحدها لا تكفي ولا تغيّر شيئاً في واقع الازمة اذا لم تقترن بتحديد واضح لماهية الحكومة ومهمتها وطبيعتها ووظيفتها . فإذا تحدد ذلك تم قطع المرحلة الاصعب والأهم في عملية تشكيل الحكومة التي يجب ان تكون منسجمة مع مقتضيات ومتطلبات وضرورات المرحلة الداخلية والخارجية خصوصاً ان العوامل الخارجية يمكنها ان تلعب دوراً اساسياً في التعطيل والمساعدة على تشكيل الحكومة العتيدة …

وبعدما بات اكيداً ان حكومة اللون الواحد سقطت وتجاوزتها الاحداث ، وان حكومة تكنوقراط غير سياسية طوتها طموحات ومصالح الطبقة السياسية، وان حكومة أمر واقع ستزيد الوضع تعقيداً وتأزماً ، فلا يبقى الا السعي إلى حكومة شراكة أو حكومة إنقاذ وطني تكون مصغرة وفاعلة . أما ما يقال عن دور للمجلس النيابي يعوض دور مجلس الوزراء وعن جلسات تشريعية تملأ فراغ الجلسات الحكومية ، فان ذلك لا ينسجم مع طبيعة النظام البرلماني الديمقراطي القائم على مبدأ الفصل بين السلطات…

حكومة الشراكة مطلوبة اليوم بقوة وإلحاح وتشكل حاجة وضرورة أكثر من أي وقت مضى ، كما انها تشكل المخرج الواقعي من الازمة الحكومية والسياسية. فقد ثبت ان اي طرف ليس قادراً على ان يحكم بمفرده او ان يحسم ويرجح الكفة لمصلحته. ففريق 14 آذار كان في الحكم وخسره ، وفريق 8 آذار توافرت له أكثرية وفرصة الوصول إلى الحكم ولكنه لم يستطع ان يشكل حكومة حتى الآن ، والفريقان يتساويان في المأزق وفي الخسارة ولهما مصلحة في الخروج من هذا الوضع الذي بدأ ينعكس سلبياً على أحوال المواطنين ولم يعد يُحتمل.

لم يعد من خيار إلا حكومة شراكة وائتلاف عاجلاً أم آجلاً. " حكومة تسوية " على القاعدة اللبنانية الشهيرة التي اطلقها الراحل الرئيس صائب سلام " لا غالب ولا مغلوب " تعكس التوازنات السياسية والطائفية وتلتزم القواعد والاصول الميثاقية وتنصرف إلى تسيير أمور الدولة وتحسين أوضاع الناس من دون ان تغرق في الملفات والمسائل الخلافية الاساسية، التي من المستحسن ان تحال على طاولة الحوار كأفضل وأنسب اطار مرحلي لبحث الامور العالقة… وكل بحث خارج هذا المسار لا يوصل إلى نتيجة ، وكل حكومة تخالف هذه الشروط والمواصفات لن يكتب لها النجاح والعمر الطويل . فليس المهم ان تشكل حكومة ، المهم ان تكون الحكومة قابلة للحياة وقادرة على ان تحكم. وحكومة التوافق والتوازن يجب ان تنبثق عن ارادة سياسية لطرفي الصراع ولا يجب ان تفرضها أحداث جسام أو ان تأتي بعد جولة صراع لا تكون في الواقع إلا جولة خسائر وأضرار للجميع .

واخيراً لم يعد جائزاً ولا مقبولاً التلهي والهاء الناس والشعب في القشور والمناكفات التافهة والتغاضي عن الجوهر فإلى كل المعنيين السياسيين ودون استثناء نقول : تهتمون بأمور كثيرة والمطلوب منكم واحد ، فالمطلوب المساعدة على تشكيل حكومة شراكة وطنية قبل فوات الآوان …

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل