بداية كل انتفاضة شعبية، ليس الفساد كما يظن الكثيرون، وإنما سلب الحقوق وقمع الحريات التي جبل عليها الإنسان كإنسان بفطرته الطبيعية. وفي ذلك أكدت غالبية الدساتير وأحكام القضاء والفقه. ولا يملك، دون أدنى شك، أي قانون أو حتى دستور أن ينال منها، كل ما في الأمر أنهما يستطيعان تنظيمها بحيث يتفاديان أن تجور حرية على أخرى فتتحول هذه الحريات إلى فوضى تخرجها عن مسارها الطبيعي وهدفها النبيل.
ولا يخفى على كل ذي لب أن الفساد سواء الإداري أو المالي يُولد بولادة الدولة، وإن كنا يجب أن نُحاربه ولا يمكن أن نُسلّم به، إلا أنه كان ومازال موجودا منذ فترة طويلة وفي كل بلد باختلاف نسبته وبقدر مُحاربته. ومع ذلك لم أرصد انتفاضة شعبية كويتية بقدر ما أشهدها اليوم، وإن كان أحد أسبابها الفساد المستشري في البلاد، إلا أنه ليس السبب الرئيس. لأنه، وكما أظن أن الأزمة الرئيسية الأخيرة والتي عصفت بالكويت هي أزمة حريات، وبدا ذلك جلياً منذ أحداث ندوة الحربش في أوائل ديسمبر الماضي عندما قامت الحكومة بضرب أبناء الشعب بالهراوات مستغلة تشريعات فاسدة كفسادها.
قانونان كفيلان بهدم أهم ما يمثل أي نظام دستوري من حقوق وحريات، ألا وهما قانون التجمعات الذي مازال سارياً في شق منه وقانون أمن الدولة. هذان القانونان غير الدستوريين طعنا الحقوق والحريات في مقتل، وذكا حرية التعبير، وضربا المبدآن الدستوريان: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، و(حرية الاجتماع) عرض الحائط، وكانا سبب استجواب كاد يُطيح برئيس الوزراء وأحدثا أزمة سياسية كبيرة استمر مسلسلها إلى الجمعة الماضية. ومع كل ذلك لم يتقدم أحد النواب المحترمين في المجلس بتعديل أحد هذين القانونين، بل ولم يُكلف نفسه أحدهم بتقديم طلب إحالة أحدهما إلى المحكمة الدستورية التي حتماً ستقضي بعدم دستوريته من دون أدنى شك!
فعلاً مفارقة غريبة… أستجوب رئيس حكومة وأقلب الكويت رأساً على عقب بسبب المساس بالحريات، وأطالب بتعديلات دستورية لضمان مشاركة شعبية فاعلة، ولا أبادر كمشرع باستئصال قانون كان سبباً في اقتحام المنازل وضرب الناس ومنع التجمعات وزج المواطنين في قضايا أمن دولة!
قلتها ومازلت أكررها، الجاذبية السياسية والمكاسب في الدور الرقابي للنائب وفي الأخص الاستجواب وليس في التشريع، هذا الجانب المهمل من قبل النواب المحترمين.