تحمل ذكرى النكسة الفلسطينية وقبلها النكبة معنى مختلفاً هذه السنة فيما يغوص العرب في تفكّر ذاتي جدّي على وقع سقوط قادتهم الواحد تلو الآخر.
آخر الديكتاتوريين العرب الذين سقطوا هو الرئيس اليمني علي عبدالله صالح. لا تزال ملابسات الهجوم على القصر الرئاسي الذي أسفر عن إصابته وأعضاء بارزين في النظام، غير واضحة. لكن الواضح هو أنّ علي صالح صار في السعودية لتلقّي "العلاج الطبّي"، ومن غير المرجّح أن يعود إلى اليمن في وقت قريب. والواضح أيضاً هو أن اليمن يعمل على سدّ الثغرات التي تركها الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب.
كنّا على موعد مع أسبوع آخر حافل بالأحداث المتسارعة التي تذكّرنا بأن أحدا ليس محصَّنا في هذه الموجة الجديدة من الربيع العربي التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط. لقد أصبحنا، كشهود، معتادين هذه التغييرات ونتطلّع الى معرفة من يكون التالي.
في نهاية المطاف، لا يهمّ ما هي الطريقة التي استُخدِمت لإطاحة علي صالح أو سواه من الديكتاتوريين. ما يهم حقاً هو أنهم باتوا خارج الصورة، وقد يلقى آخرون المصير نفسه. الرسالة الواضحة التي توجّهها هذه التطوّرات الى الشعوب العربية الأخرى التي تنشد الإصلاح أو تغيير النظام هي أنها إذا ثابرت وتمسّكت بقضيّتها، فانها ستنجح مهما طال الأمر أو مهما اشتدّت المقاومة التي تواجهها.
في خضم هذا كلّه، إنه لأمر يفوق قدرة العقل على الاستيعاب أن نرى بعض الأنظمة العربية غافلة عن الوقائع السياسية الجديدة والمشهد الذي ترسمه الاضطرابات الإقليمية سواء أطلقنا عليها اسم الثورة أم الانتفاضة أم التمرّد. ولا بد من التوقّف عند تعامل الأنظمة العربية مع ذكرى النكسة ببثّ مقاطع صوتية رنّانة وبعض البرامج الوردية التي "أتحفنا" بها الإعلام الرسمي في ظلّ شعارات من نوع "فلسطين ستعود" و"الجولان لنا"، والتي تُكرَّر سنة بعد سنة من دون اتّخاذ خطوات فعلية لتحويلها واقعاً براغماتياً.
على رغم بعض أصوات الدعم التي ترتفع هنا وهناك، الفلسطينيون وحيدون في هذه الذكرى. فمن الواضح أنهم يفتقرون إلى الدعم السياسي من العرب في هذا الظرف، وتغيب المبادرة والخطوات العملية.
إنها نكسة أخرى للفلسطينيين تضاف إلى نكسات العقود الماضية. لا شك في أنها ستدفعهم أكثر فأكثر نحو التحرّك بمفردهم ومن تلقاء أنفسهم. في ضوء الأحداث المذهلة التي شهدتها الأشهر الاخيرة الماضية، وفي غياب بن علي ومبارك وعلي صالح الذين لا نفتقدهم كثيراً، ناهيك بالحضور الصامت والشارد الذهن للقادة العرب الآخرين، يبدو أنّه كان يجدر بالفلسطينيين أن يسلكوا هذا الطريق قبل وقت طويل.