ما كاد الدخان الأبيض لانفكاك عقد تأليف الحكومة يتصاعد، حتى دخلت من جديد "شياطين التفاصيل" على الخط، معيدة مسار التأليف إلى البدايات، ومظهرة أن العقدة الحقيقية ليست داخلية، إنما هي عقد داخلية ـ إقليمية ـ دولية مترابطة، وفق ما أكد مصدر سياسي مواكب لما حصل في اليومين الماضيين من إشاعة لأجواء تفاؤلية بقرب ولادة الحكومة العتيدة. هذه الأجواء لم تكن سوى تغطية للتقصير الحاصل من قبل الأكثرية الجديدة في تشكيل الحكومة، إضافة إلى الخلافات المستعرة بين بعض أركانها على الحقائب والأسماء.
وأكد المصدر أن قوى الثامن من آذار عادت إلى حجمها المؤلّف من 58 إلى 60 نائبا، بعد انهيار الائتلاف الذي جعلها أكثرية على مدى الأشهر الخمسة الماضية، وذلك على خلفية المواقف التي أطلقها رئيس جبهة النضال النائب وليد جنبلاط، وبيان التكتل الطرابلسي الذي رفض المشاركة في الجلسة التشريعية التي دعا إليها الرئيس نبيه بري يوم الأربعاء المقبل، إنطلاقا من الحفاظ على دور المؤسسات، ولعدم زيادة الشرخ بين اللبنانيين، كاشفا أن الحملة التي أطلقها المعاون السياسي للرئيس بري النائب علي حسن خليل على الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي كمعطّل للتأليف، جاءت بالتفاهم والتنسيق مع حليفَيه "حزب الله" و"التيار العوني". واستتبعت هذه الحملة بإعلان بري توجّهه إلى دارته في المصيلح وإلغائه اللقاء الذي كان متوقعا عقده مع الرئيس ميقاتي مساء الجمعة الفائت، نافيا أن يكون الخلاف المستحكم بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والنائب ميشال عون قد ذلّل، بدليل استمرار الاشتباك على تسمية الوزراء الموارنة، خصوصا الكسروانيين منهم. واستغرب المصدر ما يسوّق له بعض نواب تكتل "التغيير والإصلاح" من أن الحكومة العتيدة ستبصر النور خلال أيام معدودة، وذلك بهدف تلميع صورتهم ونزع صفة عرقلة تشكيل الحكومة التي لازمَتهم منذ تكليف الرئيس ميقاتي.
وفي قراءة أولية لأبعاد سيناريو التفاؤل الذي حاولت 8 آذار التسويق له، اعتبر المصدر السياسي المواكب نفسه، أنه يأتي في إطار تطويق المناخ الذي لا تزال تثيره مواقف النائب جنبلاط، وكان آخرها حفل العشاء الذي جمعه بالرئيس أمين الجميل، والذي اعتبر بمثابة "جَس نبض" لإعادة تموضع قد يقدم عليها جنبلاط في حال استمرّ الجدار الحكومي قائما. في المقابل، ووفقا لمعلومات متداولة في أوساط 8 آذار، فإن احتمالات حصول مفاجأة في التأليف وارد بقوة، وإن الحراك الإيجابي الذي سجّل في الأيام القليلة الماضية لن يبقى من دون نتيجة، لأن أسباب تأخّر التأليف لا تعود إلى عوامل داخلية مرتبطة بفريق الأكثرية، بل تعود إلى تدخّلات خارجية و"فيتو" أميركي توضّحت معالمه في غير مناسبة، أدى إلى تجميد كل آليات التشكيل، وذلك بصرف النظر عن التجاذبات الطفيفة في عملية توزيع الحقائب الوزارية.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه المرحلة، هل ستنجح قوى 8 آذار في تشكيل الحكومة قريبا؟
عَن هذا السؤال ردّ المصدر نفسه مؤكدا أن هناك استحالة في الظروف الراهنة للوصول إلى تسوية بشأن التشكيلة الجديدة، خصوصا أن الأكثرية الجديدة كانت قد سلّمت مصير هذه الحكومة الجديدة إلى الخارج، بحيث أضحى الاستحقاق الحكومي في مهبّ الوضع الإقليمي المتفجّر، وبالتالي فإن كل مكونات الأكثرية الذين يبدون اعتراضات اليوم ويضعون شروطا على الرئيس المكلّف، يتحوّلون بسرعة من السلبية إلى الإيجابية لدى صدور "الضوء الأخضر" الإقليمي لإطلاق عملية التشكيل. وكشف عن عملية مراجعة شاملة لمجمل الوضع الحكومي يقوم بها الرئيس المكلّف مع فريقه السياسي، لعرض الاحتمالات والخيارات أمامه، خصوصا أنه يقف على مسافة واحدة من "الاعتكاف" أو مواصلة محاولاته لتدوير الزوايا، على وقع استمرار الضغوط الخارجية على الساحة الداخلية.