#dfp #adsense

“فقيه ولاية” لبنان وولاية الفقيه… في مشرحة الواقع والتطبيق (بقلم طارق حسون)

حجم الخط

إفتتح السيد حسن نصرالله خطابه الأخير بمطالعةٍ قانونية سياسية وجدانية رافع فيها عن ولاية الفقيه في ايران، "ففي دولة ولاية الفقيه الكل تحت المحاسبة، حتى الولي الفقيه مسؤول امام القضاء ومسؤول امام مجلس خبراء القيادة الذي يستطيع ان يحاسبه ويعزله"، اما عن حسنات ولاية الفقيه وحرصها على إحترام منظومة الإنتخابات، وسيادة القانون فحدّث ولا حرج… هذا الموقف ارفقه السيد نصرالله بجملة إنتقاداتٍ لكل من تسولّه نفسه النظر الى ولاية الفقيه على انها حكم استبدادي ديكتاتوري قمعي…

وحقيقة الأمر أن كلام السيد نصرالله بشأن ولاية الفقيه في إيران يأتي في سياق ما يُعرف في فنون الدعاية السياسية بالتضليل الإعلامي عن طريق التوجه بجانبٍ من الحقيقة الى الجزء اللاواعي من عقل الفرد بما يدفعه للقيام بتصرفات تنمّ عن عدم وعي وإدراك.

لقد نصّت المادة 107 من دستور جمهورية ايران الإسلامية على ان مجلس خبراء القيادة المُنتخب من الشعب ينتخب بدوره المرشد (ولي الفقيه) ويراقب أداءه ويمكنه عزله، ولكن ما تجاهله السيّد نصرالله هو ان الدستور الإيراني لم يُحددّ فترة زمنية لولاية المرُشد، لا بل ان الدستور اسند اليه صلاحياتٍ مُطلقة، تجعل منه بقوةّ القانون والأمر الواقع و"الحق الإلهي"، ديكتاتوراً مُطلق الصلاحيات طيلة حياته، وهو ما ينسجم مع اللقب الذي نعته به المتظاهرون الإيرانيون في العامين 2009 و2010.

حددّت المادة 110 من الدستور الإيراني صلاحيات ووظائف الولي الفقيه على الشكل الاتي:
• تعيين السياسات العامّة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور مع مصلحة تشخيص النظام.
• الإشراف على حسن سير الإجراءات العامّة للنظام.
• إصدار الأمر بالإستفتاء العام.
• القيادة العامّة للقوات المسلّحة.
• إعلان الحرب والسلام والنفير العام.
• تنصيب وعزل وقبول استقالة كلٍّ من:
أ_ فقهاء مجلس صيانة الدستور.
ب_ أعلى مسؤول في السلطة القضائية.
ج_ رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.
د_ رئيس اركان القيادة المشتركة.
هـ_ القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.
و_ القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.
• حلّ الإختلافات وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث.
• إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب…
• عزل رئيس الجمهورية مع ملاحظة مصلحة البلاد(…).

وورد في المادة 107 والمادة 140 من الدستور الإيراني أن المرشد ورئيس الجمهورية مسؤولان امام القانون كأي فردٍ من أفراد الشعب، ومن ذلك المسؤولية عن ارتكاب الجرائم العادية. كما كلّف الدستور رئيس السلطة القضائية بالتحقيق في اموال المرشد ومعاونيه…ولكن من المفارقات اللافتة أن المادة 110 من الدستور تمنح المرشد سلطة عزل رئيس السلطة القضائية نفسه!!! هذا في الدستور، امّا على أرض الواقع فإن ايّاً من المرشد او رئيس الجمهورية لم تتم محاكمتهما ولا حتى مُجرّد مسائلتهما عن الجرائم المُرتكبة من قبل الباسيج والشرطة الإيرانية بحقّ مئات المتظاهرين الإيرانيين المسالمين المُعترضين على شرعية الإنتخابات، وعلى رأسهم الفتاة ندى آغا سلطان التي هزّت صورها الأمم المتحدة والضمير العالمي بعدما قتلها الباسيج بكل دمٍّ بارد…

ومع ذلك كلّه، تبقى "الإنتخابات" في ايران، بنظر السيد نصرالله، مثالاً يُحتذى به في الديمقراطية الحقّة، متناسياً أن نتائج أي إنتخاباتٍ أو استفتاءاتٍ تُجرى في ظروفٍ غير صحيّة أو غير ديمقراطية، او في ظلّ أنظمةٍ ديكتاتورية أو ثيوقراطية او توتاليتارية، لا يمكن الركون اليها أو اعتبارها مؤشراً صحيحاً يُعبّر عن رغبة الشعب او تطلّعاته، ويكفي في هذا الإطار تذكير السيد نصرالله بنتائج الإستفتاءات على الرئاسة، وإنتخابات مجالس الشعب واللجان الشعبية التي كانت تجري في عراق صدّام حسين، وسوريا الأسد، وليبيا القذاّفي وغيرها من الأنظمة العربية… فتلك الإستفتاءات والإنتخابات لم تكن مُفبركة او مُزورّة بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما طبيعة الأنظمة التي تُجريها والظروف السياسية والأمنية المُحيطة بها، حتّمت نتائج مماثلة. ولكن سرعان ما ظهرت كل هذه "الإستفتاءات" و"الإنتخابات" على حقيقتها المُجوفّة، حالما انتفضت الشعوب العربية لحريتها وديمقراطيتها الفعلية لا الصورية.

هذا من جهة، امّا من جهةٍ اُخرى فإن الشريعة الإسلامية تُؤكد، في الأصل، على مبدأ الشورى كأساسٍ للحدّ من تفرّد الحاكم، وليس مبدأ المحاسبة عبر الإنتخاب او التصويت، حيث جاء "مجلس الشورى الإسلامي" في ايران، ليُعبّر عن هذا التوجّه اصدق تعبير، إذ ان فلسفة وجود هذا المجلس استندت الى الاية القرآنية الكريمة "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"(سورة الشورى: الآية 38)، وقد راعت المادة 6 من الدستور الإيراني مبدأ الشورى، في حين ان المادة 7 اعتبرت "مجلس الشورى مجلساً رئيساً يقف على رأس المجالس التي هي مراكز لصنع القرار في البلاد".

يُعتبر الدستور الإيراني في ظاهره مرناً يُحاكي بعض متطلبات العصر، ويكفل في بعض جوانبه الأخرى حرية العقيدة والصحافة والتعبير عن الرأي وغيرها… ولكن كل هذه الحرياّت المُصانة في ظاهرها تسقط تلقائياً وذلك بمجرّد ان يتم الإشتباه بمخالفتها للشريعة الإسلامية وفق المذهب الشيعي الذي تدين به إيران. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن المادة 24 من الدستور التي كفلت حريّة الصحافة عادت واشترطت على الصحافة عدم الإخلال بالقواعد الإسلامية، والمادة 175 التي تناولت بدورها حرية التعبير، حددّت لهذه الحرية الأطر والموازين الإسلامية الواجب الإلتزام بها…

ففي 17 آب 2010، مثلاً، اصدرت السلطات الإيرانية حكماً بالسجن لمدة 11 عاماً على رجل الدين الإيراني المعارض آية الله بوروجردي لمطالبته بفصل الدين عن الدولة.

وفي 28 تشرين الأول 2010 اصدرت بلدية طهران تعميماً منعت بموجبه تشييد عمارات تستلهم النمط الغربي في هندستها المعمارية، وذلك لتعارضها مع الهندسة الإسلامية، بحيث صرّح هيربود ماسومي نائب طهران الأول ان المجلس البلدي شددّ على ضرورة ان تلتزم الأبنية الجديدة بمعايير الهندسة الإسلامية.

وعلى الرغم ان الفصل الثالث من الدستور نصّ على المساواة بين افراد الشعب الإيراني، إلاّ ان المادة 14 من هذا الدستور كرسّت تمييزاً دينياً مستتراً وتقدّماً للمسلمين الإيرانيين على سواهم من المواطنين الإيرانيين غير المسلمين، وذلك من خلال دعوتها "المسلمين لأن يعاملوا غير المسلمين بالأخلاق الحسنة والعدل الإسلامي وأن يراعوا حقوقهم الإنسانية"، بما ينسف في جوهره مبدأ المساواة، ويضع عملياً المسيحيين واليهود والزرداشتيين في موقعٍ دوني خاضع لسلطة ومشيئة افرادٍ أو جماعاتٍ معيّنة، وليس تحت حماية القانون الذي من المُفترض به ان يرعى شؤون الجميع ويؤمن لهم الحماية اللازمة.

ونذكر في هذا الإطار بعض الإرتكابات التي طاولت المسيحيين في إيران، والتي رصدتها منظمات ووسائل إعلام دولية في العام 2010، ومنها:
في 7 نيسان 2010 أفرجت السلطات الإيرانية عن ثلاثة مسيحيين ايرانيين وهم: مريم جلالي، ميرتا زهراتي، وفرزان ماتيني، وذلك بعد اعتقالهم لأكثر من 80 يوماً مع 12 مسيحياً آخرين وذلك على خلفية إحتفالهم بأمسية عيد الميلاد في طهران.
في 25 نيسان 2010، صرّح المدير العام لمنظّمة الصّحة الإيرانية أن السلطات الإيرانية سحبت تراخيص العديد من مؤسسات الرعاية بالطفل لمخالفتها الأحكام الإسلامية، ولاسيمّا بسبب الإحتفال بشعائر عيد الميلاد المسيحي.
في 23 آب 2010 اعتقلت السلطات الإيرانية عشرات الإيرانيين الذين اعتنقوا المسيحية في مقاطعة شرق اذربيجان الإيرانية، واتهمت اثنين منهم ببناء مزارٍ مسيحي محلّي.
في 15 ايلول 2010 اعلن التلفزيون الإيراني توقيف 9 اشخاص في حمادان بسبب قيامهم بنشاطٍ تبشيري مسيحي، واتُهموا بالتعامل مع اميركا وبريطانيا.
في 15 كانون الأول 2010 اعتقلت السلطات الإيرانية مجموعة مسيحية كانت تُقيم الصلاة في منزل عائلة محمدي التي اعتنقت المسيحية في مدينة فارامين.

إنطلاقاً ممّا تقدّم يصحّ ان نسأل أين هي ولاية الفقيه من الحريات الفردية والسياسية وأين هي من المساواة بين المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية؟ ويصحّ أن نسأل السيد نصرالله أهذا هو النظام الذي تقدمه انموذجاً للبنانيين؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل