كتب وسام أبو حرفوش في صحيفة "الراي" الكويتية: تُخضع الدوائر المراقبة في بيروت الملفات المثيرة للإهتمام في لبنان لـ"المعاينة" من زاوية مستوى تأثرها بـ"نفوذ" النظام السوري، الذي غالباً ما كان يمسك بـ"خيوط اللعبة" قبل الاحداث الدامية التي بدأت تشهدها المدن السورية منذ 15 اذار الماضي.
وتولي هذه الدوائر اهمية لـ"فحص" مستوى هذا النفوذ، الذي توحي الوقائع السياسية في بيروت بتراجعه، إما لإنهماك القيادة السورية بملفاتها الداخلية المتفجرة، وإما لـ"تحرير" بعض مواقع الحكم في لبنان من الضغوط السورية، وإما نتيجة لـ"القواعد الجديدة للعبة" في لحظة التحولات العاصفة في المنطقة.
وليس ادل على هذا التراجع المضطرد، في رأي تلك الدوائر، من فشل حلفاء سورية في تشكيل "حكومة مواجهة" ارادتها دمشق بديلاً عن حكومة سعد الحريري، ومن فصل "المسارين" في جنوب لبنان والجولان مع رغبة دمشق في افتعال مشكلات حدودية للتعمية على الاحتجاجات الدامية في داخلها.
ورغم ان العملية التي استهدفت الوحدة الايطالية العاملة في قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان اعتبرت "رسالة سورية"، فإن مفاعيلها جاءت عكسية على وقع التحذيرات "الشديدة اللهجة" لمن يعنيهم الامر، وبدليل "تحييد" الجنوب عن تحركات يوم النكسة الذي كان دموياً في الجولان السوري.
هذه المعطيات تؤشر الى "تراخي" القبضة السورية، لكنها لا تعني، في تقدير الدوائر عينها، ان لبنان بات في منأى عن الاستخدام السوري كـ"صندوق بريد"، فربما تحتفظ دمشق ببعض "أوراقها" كسلاح احتياطي لأوقات اكثر حرجاً يمكن ان تدهم نظام الرئيس بشار الاسد.
وأوردت مصادر واسعة الاطلاع في بيروت، مجموعة مفارقات للتدليل على تراخي "القبضة السورية"، من بينها:
* اداء الرئيس ميشال سليمان في الملفين البالغي الحساسية، تشكيل الحكومة وتحييد الجنوب، ما يوحي بـ"تحرره" النسبي من الضغوط التقليدية التي كانت تمارسها دمشق.
* تصرف الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي على النحو الذي يشي بأنه يدير ظهره للحاضنة الاقليمية لـ"الاكثرية الجديدة" المتمثلة بالمحور السوري ـ الايراني على قاعدة "أولويات" داخلية وخارجية.
* إنتظام دور الجيش تحت سقف توازنات تأخذ في الاعتبار حرص المجتمع الدولي على إضطلاعه بمهماته على النحو الذي يصون الاستقرار في البلاد وعلى الحدود.
وتوقفت دوائر مراقبة، في هذا الاطار امام اشارتين ذات دلالة هما:
* الكلام الذي نسب لمساعد وزير الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان خلال زيارته الاخيرة لبيروت عن ضرورة "عزل لبنان عن سورية" لتجنيبه دفع اثمان مواجهتها مع المجتمع الدولي.
* هبوط طائرة عسكرية اميركية من طراز "سي 130" في مطار حامات (شمال لبنان) تقل معدات عسكرية للجيش واقتران هذا الخبر بالاشارة الى عدم ممانعة "حزب الله".
غير ان وقائع من هذا النوع تبقى "هامشية" امام الموقف المحتمل للحزب من مجريات الصراع في سورية، خصوصاً وسط الايحاءات عن انه لن يسمح بسقوط نظام الاسد، حليفه الاستراتيجي و"حبل السرة" بينه وبين "مرجعيته" ايران.
وقبل إتضاح الخيارات المكتومة للحزب، تستمر بيروت في "اجترار" وقائع المأزق الحكومي، الذي كان شهد "طفرة" في المناخ الايجابي الذي سرعان ما فرملته عوامل عدة.
وسط هذا المناخ اشتد "عض الاصابع" عشية الجلسة التشريعية التي دعا اليها بري غداً و"المشكوك في شرعيتها" لانعقادها في ظل حكومة تصريف اعمال، الامر الذي تعارضه "14 آذار" بشدة وتعتزم الرد عليه بمقاطعة نوابها الـ 60 الجلسة المتخمة بجدول من 49 بنداً.
ورغم ان بري لوّح بأن الجلسة قائمة "حتى يوم القيامة"، فإنه لمّح الى مخرج حين تحدث عن انه في حال غياب الطائفة السنية عن الجلسة لن يفتتحها، الامر الذي اعتبر بمثابة حفظ "خط الرجعة" وتجنب الحرج بعدم اكتمال النصاب نتيجة موقف ميقاتي وحليفيه الصفدي وكرامي وتحفظ جنبلاط عن عقد جلسة فضفاضة واشتراطه اقتصارها على بند وحيد يتعلق بـ "التمديد" لحاكم مصرف لبنان.
في هذه الأثناء، وغداة "الرياح الباردة" التي "قبضت" على الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية فيما كانت جبهة الجولان أسيرة "الهبة الساخنة" التي ارتسمت على خط وقف إطلاق النار وبدت "متلازمة" مع الوقائع الجديدة التي فرضتها دينامية الثورة في سورية، واصل الجيش إجراءاته جنوب الليطاني حيث يفرض طوقا امنياً بمحاذاة الشريط الشائك الفاصل للحفاظ على الامن ومنع تكرار ما حصل ابان إحياء ذكرى النكبة في 15 ايار الماضي.
وفيما كانت مخيمات لبنان تشهد امس، اضراباً عاماً وحداداً سيستمرّ اليوم "تنديداً بالمجزرة الاسرائيلية" على جبهة الجولان، بدأ امتعاض القوى الفلسطينية يخرج الى العلن بإزاء القرار الرسمي الحاسم بعدم السماح بفتح ثغرة في جبهة الجنوب يمكن ان تضع كل البلاد في "بوز المدفع" الاسرائيلي.
وكان لافتاً ما أبلغه قائد المقر العام لحركة "فتح" في لبنان اللواء منير المقدح لإذاعة "صوت لبنان، صوت الحرية والكرامة" من "ان الفلسطينيين سيشعلون كل الجبهات العربية"، لافتاً الى "اننا لم نجد حماية للفلسطينيين العزل الذين خرجوا بمسيرات سلمية بل حُرمنا من هذه المسيرات وسنعمل من كل الجبهات ولن نستأذن احداً".