يجيد سمير جعجع الاختصار وإطلاق المواقف المباشرة في وقتها الصحيح، تعينه على ذلك قدرة على المحاججة تبدو غائبة عند آخرين تبعاً لغياب السند العقلي الداعم لها.
ولم تعد جديدة، تلك السالفة عن مواقفه، والقائلة بأنه لم "يشطّ" مرة واحدة منذ العام 2005، ولم ينخرط في لعبة الصوت والأصابع المرفوعة والهيجان أمام الكاميرات والعامة، بل فعل العكس. وانكب على التنظيم والاجتهاد معتمداً نسقاً واحداً مفاده إطلاق المواقف المدعومة دائماً بحجّة تامة. ومبتعداً، قدر الإمكان، عن إطلاق شعارات لا تأخذ في حسبانها الآخر. ولا الهمّ القائل بمحاولة إقناعه بالمنطق والحساب ليس إلاّ.
غيره أطلق العنان للعبة صوتية لغوية فارغة لا يتلاءم المضمر فيها مع المعلن. بل لا يتناسب لا مُضمرها ولا مُعلَنُها مع صاحبها.
منطقان متناقضان إذن. الأول الذي يحمله جعجع وجذره الإلمام بوجود الآخر وضرورة الحكي معه، وفي ذلك تأكيد لمسلّمتين؛ واحدة تُعنى بالحوار والثانية بالتسوية… والثانية هدف الأولى وجلّ مبتغاها.
والمنطق الثاني يحمله أخصامه وأخصام "ثورة الأرز" في الإجمال، وجذره الإلغاء والإقصاء والمكابرة وشراء الوقت والشارع ومشتقاته من أجل الهدف الأساسي: إكمال الثورة المضادة، وإجهاض كل ما بُني منذ ما بعد 14 شباط 2005، بل منذ ما بعد بيان المطارنة الموارنة في العام 2000 والذي يعتقد كثيرون انه كان الحرف الأول في بيان الاستقلال الثاني.. والدائم.
ولأنّه على ذلك القدر من المباشرة والوضوح وتواضع الخطاب (بالمعنى التسووي والحواري المعاكس للإلغاء والإقصاء) فإنّه الأكثر تلقفاً لهجمات فريق الممانعة والمناتعة. بل يبدو الأكثر إزعاجاً لذلك الفريق داخل الصف المسيحي بالتأكيد وداخل الصف الاستقلالي والسيادي الأعرض إلى حد كبير.
والأمر ملفت بالفعل، إذ انّ خطاب الدولة والمؤسسات والقوى الأمنية الشرعية، كان ولا يزال العصب المركزي لسياسة جعجع. لكن ذلك بالضبط مربط المآخذ عليه من فريق 8 آذار، حيث المطلوب تشكيك بالأولى (الدولة) إلى حد الإلغاء. وضرب الثانية لصالح مؤسسات موازية لها. وهدر هيبة الثالثة (القوى الأمنية) لصالح تلك القائمة عند "حزب الله" وسلاحه.. وكل تلك المعطيات تدخل في سياق الهدف المركزي لتلك القوى: إما أن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل 14 شباط 2005 وإما التخريب الممنهج.. إما أن تخضع الدولة لمنطق الممانعة أو أن تشلّع بكل بناها ومرافقها.
سيرة قائد "القوّات" طويلة ومتعبة للممانعين, ويبدو أنها ستكون أطول وأكثر تعباً في المراحل الآتية تبعاً للواقعات الحاصلات في المحيط.
.. رمح استقلالي وسيادي تام، يغيظ بالتأكيد بعض أقزام آخر زمن!